حقائق خفية في القرآن والتاريخ

Script:DoSizeHdr

 

Start of Body

أين وجد ذو القرنين  العين الحمئة  التي تغرب فيها الشمس، والعين الاخرى التي تطلع منها الشمس، وأين هم الآن يأجوج ومأجوج؟

تأليف: عيسى عبدالرحمن
تاريخ النشر: 20 فبراير 2014 (آخر تحديث: 30 سبتمبر 2016)

 

تنويــــــــــــــــــــــــــه

كنّا قد نشرنا هذا الموضوع في اجزاء متفرقة، وكل جزء منها ناقش نقطة منفصلة، والان نجمع ما ورد في الاجزاء السابقة في جزء واحد حتى لا يتبعثر الموضوع وتضيع الافكار.

بالنظر الى التعليقات على صفحة الفيسبوك على الاجزاء السابقة، يبدو ان البعض لم يعجبهم ان يكون الاسكندر المقدوني هو ذو القرنين. أولا القرآن لم يقل ان ذو القرنين هو الاسكندر أو غيره، وإنما ذكر بعض صفاته واحداث في حياته، فإذا لم نجد هذه الاحداث تنطبق على أي شخص آخر غير الاسكندر، فيجب أن يكون هو ذو القرنين، وبغض النظر عن الاشاعات التي قيلت عنه. اذا تحدث القرآن عنه على انه شخص جيد، فهو كذلك، ولابد للشائعات ان تكون محض كذب وافتراء. الرجل لم يُكتب تاريخه إلا بعد اربعة قرون من موته، فكم يا ترى ستكون نسبة الصحة في تاريخ مثل هذا؟

الشيئ الثاني الذي لابد من معرفته جيدا هو ان القرآن كتاب ديني، فإذا وردت فيه قصة تاريخية أو وصف لظاهرة طبيعية، فلابد ان يكون الهدف الديني هو الاساس، وما الوصف أو الاثر التاريخي إلا معالم يمكن أن تتبعها للاستدلال على الهدف الديني.

 

الفهرس...
(1) مقدمة ومعلومات عامة
(2) مغرب الشمس ومطلع الشمس والعين الحمئة التي تغرب فيها الشمس
(3) وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا
(4) يأجوج ومأجوج (السيث والسارماش)
(5) السيث والسارماش في تاريخ يوسيفوس
(6) جوج وماجوج في أوهام النبي حزقيال وأحلام الرسول يوحنا
(7) نهاية اسطورة!
(8) موقع بوابة ذو القرنين
(9) التوحيد عند الاغريق
(10) الخـــــــــــــــاتـمة

 

1) مقدمة ومعلومات عامة

هذا الموضوع يتحدث عن ذو القرنين (الاسكندر المقدوني)، ومغرب الشمس، والعين الحمئة التي تغرب فيها الشمس، والعين الاخرى التي تطلع منها الشمس. كما يتحدث أيضا عن يأجوج ومأجوج، وهويتهم، وحقيقة الاساطير التي نسجت حولهم، والاحاديث التي نسبت الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عنهم، وكلها غير صحيحة، وبغض النظر عن رواتها. وفي الباب المخصص عن يأجوج ومأجوج سوف نرى ان بوابة ذو القرنين فتحت في العام 100 ميلادي تقريبا، وخرجوا منها واختلطوا بشعوب الارض، ولا توجد آية واحدة في القرآن تقول بعدم خروجهم، وفي الحقيقة ظاهر الايات من سورة الانبياء وسورة الكهف يدل على خروجهم قبل نزول القرآن، كما سنرى لا حقا.

"وجدها تغرب في عين حمئة"

والان، وإن كنت قد دخلت على الموضوع بقصد معرفة «العين الحمئة» فقط ، فها هي في الصورة المقابلة والشمس تغرب فيها، من بين زهور اللوتس، وعندها قوم يقدمون القرابين، ولا يغيب عن المشهد سوى الاسكندر ذو القرنين!

إذا كان يأجوج ومأجوج معروفين، والعين الحمئة معروفة ولا تحتاج سوى لفت انتباه، لما ظل المسلمون ينسجون الاساطير حول يأجوج ومأجوج لأكثر من (1400) عام، ولما قامت المواقع والقنوات التبشيرية بوضع العين الحمئة تحت المجهر بقصد الاستهزاء والسخرية من القرآن، إلا ان ما ذكره القرآن عن ذو القرنين، والاحداث التي رافقته، ليست في معلوم الكثير.

حتى يدرك القارئ حقيقة الاحداث التي ذكرها القرآن، فلابد له ان يعرف مسبقا تاريخ قوم لم يبقى لهم أثر، وحضارة قوم لا يزال الكثير من مفاهيمها طي الكتمان، لذا سنبدأ الموضوع ببعض المقدمات -- وطبعا بإمكانك سحب الصفحة الى الاسفل لتأخذ لمحة سريعة على ما فيها!

العين كما هو معلوم في لغة العرب منبع ماء يتدفق من تحت الارض.. وهذه هي العين التي قصدها القرآن بالضبط، وفيها حمأ (وحل). لم يقصد القرآن بحر ولا بحيرة، لا بحر لامع ولا بحر نتن، عين حمئة (موحلة) فقط لا غير، كما هو مكتوب في القرآن حرفيا. وهذه الاية من الآيات "المحكمات" التي لا تقبل سوى تفسير واحد فقط، و ذو القرنين وجدها تغرب (تغطس) في تلك العين الموحلة.

قيل ان القرآن نقل قصة ذو القرنين من رومانسيات الاسكندر، فتبين من دراستنا للموضوع ان العكس هو الصحيح، حيث يعود تاريخ الرومانسيات الى القرن التاسع الى العاشر الميلادي، أثناء العصر العباسي، نقلها كُتّابها من تراث المسلمين وأقوال المفسرين، قال المفسرون انه رآى الشمس كما يراها الناظر وهي تغرب في البحر، فكتب أصحاب الرومانسيات كذلك، بينما القرآن يتحدث عن "عين" وليس عن بحر، لم يقل رآها، وإنما وجدها.

المفسريين الأوائل، كعبدالله بن عباس وغيره، تبنوا قول الحاخام كعب الاحبار في انه يرى الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين، وهو طبعا يكذب عليهم، لأنه لا يوجد شيئ من هذا الكلام في كتب التوراة. ما وجدناه في التوارة (العهد القديم) هو ان الشمس توقفت في وسط السماء في انتظار بني اسرائيل الى ان ينهوا معركتهم، ولم تتحرك من مكانها الى ان انتهت المعركه. ولا ندري كيف حدث ذلك، لأن الشمس أصلا واقفه، والارض هي التي تتحرك!

أمّا قصة الشمس التي تغرب في ماء وطين فهي من تأليف كعب الاحبار. ولكن المفسرين الأوائل (رحمهم الله) أحسنوا الظن فيه وأخذوا بأقواله وفبركاته. ولم يتغير هذا التفسير الا بعد ان تبين للمسلمين ان الشمس أكبر جرما من الارض. وبعد فترة من تغير التفسير، نقلت الرومانسيات التفسير الجديد.

بالرغم من ان القرآن دقيق جدا في ألفاظه وعباراته، فإذا قال "عين" فلابد ان تكون عين، وإذا وصفها بالموحلة فهي كذلك، وإذا قال عن الموقع مغرب الشمس، فهو اسمه الحقيقي أو صفته الحقيقية مغرب الشمس، وكذلك مطلع الشمس، إلا انه لم يقل ان ذو القرنين وجد الشمس! فإذا افترض الناس ان حرف الهاء في كلمة "وجدها" عائد لشمس السماء، فهذه مشكلتهم.

الالفاظ غير متناهية الدلالات، وما يميز لفظ عن مثله هو الوصف والسياق، وليس اللفظ بحد ذاته.

"حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئه"

وكما ترى في النص أعلاه ان حرف الهاء في كلمة "وجدها" عائد الى مصطلح "محذوف" لا وجود له في الاية، ولا في سياق القصة. "وجدها" «لا تساوي» "وجد الشمس".

فإذا لم يكن قد وجد الشمس، فماذا وجد إذن؟ هذا السؤال يستحيل الاجابة عليه بمجرد النظر الى النص. لابد من معرفة ذو القرنين أولا. ثم بعد ذلك نرى أين ذهب وماذا وجد. هذا الشيئ الذي نبحث عنه لابد ان يستقيم مع الايه، وينسجم مع معالمها، بالحرف الواحد، ويغطس في عين حمئه. كما ان ذو القرنين الذي نريد معرفته لا بد ان يوصلنا الى عين ماء بنفس المواصفات التي ذكرها القرآن بالضبط ، وليس الى بحر ولا الى بحيرة، ولا حتى حوض.

معلومة أخرى لابد من التنويه إليها، وهي التفسير الرائج لكلمة وجدها على معنى الرؤية القابلة للخداع البصري، أي "كسراب بقيعة يحسبه الضمئان ماء"، وهو قولهم انه رآها كما يراها الناظر.

وجود الشيئ هو ادراكه والتأكد من وجوده بما لا يدع مجالا للشك، ولا تأتي أبدا في مجال الخيال. مثال على استخدامها: "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا" -- فإذا كنّا سنأخذ المصطلح بما يعني الرؤية البصرية، وأن وجدها تساوي رآها، فهذا يضع احتمال ان زكريا كان يتخيل أشياء على غير حقيقتها!

"والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء، حتى اذ جاءه لم يجده شيئا" (النور 39) -- في هذه الاية مثال على رؤية الاشياء على غير حقيقتها. العطشان رآى السراب وكأنه ماء، حتى اذ جاءه لم يجده شيئا، أمّا ذو القرنين حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها!

"ما فرطنا في الكتاب من شيئ" -- من الذرة الى المجرة، من بداية خلق الكون الى قيام الساعة، كله موجود في القرآن، ولكن ليس بالتفاصيل. بالاشارات والتلميحات، وأحيانا بالألغاز. ومع ذلك، القرآن على ظاهره، كما تقرأه بالضبط ، لسان عربي مبين. فإذا قال القرآن شرق يعني شرق ، وإذا قال غرب فمعناه غرب ، وإذا قال عين حمئة ، فمعناها عين ماء موحلة.

 

"وآتيناه من كل شيئ سببا، فأتبع سببا"

السبب هو وسيلة توصل الى غايه (نتيجه). ويقال: تعددت الاسباب والموت واحد، أي تعددت الوسائل، وسائل الموت، والوسائل يمكن ان تكون حسية ملموسة كالسيف مثلا، أو معنوية غير مشاهدة، كالسكتة القلبية مثلا، وفي حالات غير الموت، يمكن أيضا ان تكون حسية أو معنوية أو ذهنية تقديرية، ولا يمكن تحديد السبب الذي ذكره القرآن إلا إذا عرفنا عن ماذا تتحدث الآيات، وفي حالة الاسكندر، اتبع العلم والمعرفة والفلسفة، وما أتاه الله من الامور المادية، كوسائل لتقصي الحقيقة، وهي معرفة الله.

"أم لهم مُلك السّماواتِ والأرضِ وما بينهما فليرتقوا في الأسباب" (سورة ص، آية 10) -- والمعنى هو انهم لو كانوا يعتقدون انهم امتلكوا السماوات والارض، فليرتقوا في الأسباب، فليصعدوا في الوسائل المتاحة لهم. في الماضي لم تكن هناك وسائل يصعدون فيها، ولكن في العصر الحديث بإمكانهم ان يصعدوا في مركبات فضائية مثلا، ثم ينظرون ان كانوا فعلا لهم ملك السماوات والارض أم لا.

ويأتي السبب أيضا بما يعني الدافع والمغزى، كقولك: ما هو السبب الذي جعلك تفعل كذا وكذا. هذا المعنى مشتق من المعنى الاصلي: وسيلة توصل الى غايه، هدف، نتيجه.

وبما انه اتبع سببا، وسيلة توصل الى نتيجة، نجد ان ذو القرنين ذهب الى هذه الاماكن وهو قاصد لها، ولم يسير في الارض هائما على وجهه، لا يدري أين تحط قدماه، ليجد نفسه بالصدفة في مغرب الشمس!

يبدو ان الاسكندر كان يُقّيم ويقارن الاديان ليرى ما يصح منها. مثل النبي ابراهيم وغيره الكثير من الناس على مر العصور والازمان. يختبرون الاديان والمذاهب قبل ان يتوصلوا الى النتيجة النهائية بحسب المعايير التي اعتمدوها. وفي قصة النبي ابراهيم عليه السلام التي ذكرها القرآن، جرب النبي ابراهيم عبادة النجوم والقمر والشمس (فلمّا جنّ عليه اللّيلَ رأى كوكبا قال هذا ربّي... فلما رأى القمرَ بازغا قال هذا ربي... فلما رأى الشمسَ بازغةً قال هذا ربي...). وما يدريك ان الاسكندر لم يكن يزور المعابد الوثنية بقصد تجربة الالهة التي فيها بناءا على معايير لديه، ليختبرها ويعلم حقيقتها، فالرجل لم يكن يخبر أحد عن اسباب زياراته للمعابد.


ارسطو يُدرس الاسكندر

تتلمذ الاسكندر على يد الفيلسوف ارسطو وتعلم منه.. تتبع الحقيقة كانت من أساسيات مذهب ارسطو الفلسفي.

من سلسلة «في سبيل موسوعة فلسفية»، كتب المؤلف في المقدمة: "يرى أرسطو وهو يبحث في ماهية المعرفة أنها تنتج من صلة التفكير بالآراء، ثم من الصلة بين هذه الآراء وبين النتائج والأدلة، يعني اذا وقعت حواس الانسان على شيئ فإنه يكتشف صفات هذا الشيئ، مادته، طوله، حجمه، لونه، الخ. وبعدئذ يتألف من هذه الافكار المختلفة رأي بأن هذا الشيئ بيت مثلا. على أن هذا الرأي يكون في بادئ الامر اقتناعا شخصيا، فيجب على الانسان أن يقارن هذا الذي قال عنه بيت بأمثاله من البيوت المعروفة ليرى اذا كانت النتائج التي وصل إليها بالتفكير مطابقة للمعروف عن البيوت، ثم يقيم الدليل على نتائجه -- ويرى أرسطو أيضا ان إيمان الناس بالآلهة يرجع الى التأثير العظيم الذي يتركه في نفوسهم عظم العالم وجماله وقوانينه المحكمه. ولقد اعتقد البشر دائما في كل عصر وفي كل أمة وفي كل طور من أطوار الانسانية بقوة عظيمة مقتدرة قاهرة فوقهم، هي الله. وهذا هو الدليل الوجداني على وجود الله حسب مفهوم هذا الحكيم الكبير" (د. مصطفى غالب، في سبيل موسوعة فلسفية، كتاب أرسطو، طبعة 1982، ص 11).

لم يحظى فيلسوف بالتقبل في العالم الاسلامي في القرون الوسطى مثل ارسطو، وأطلقوا عليه لقب «المعلم الاول»، مع العلم ان لقب "المعلم" لم ينله في بلده، ناهيك ان يسموه بالاول.

في كتاب فصل المقال لإبن رشد، كتب المحقق: "وقد عاش ابن رشد ما عاش معتقدا ان مذهب ارسطو، اذا فهم على حقيقته، لم يتعارض مع اسمى معرفة يستطيع ان يبلغها انسان، بل يرى ان الانسانية، في مجرى تطورها الازلي، بلغت في شخص ارسطو درجة عالية يستحيل ان يسمو عليها احد، وان الذين جاءوا بعده تجشموا كثيرا من المشقة وأعمال الفكر لاستنباط آراء انكشفت بسهولة «للمعلم الاول»، وستتلاشي بالتدريج كل الشكوك والاعتراضات على مذهب ارسطو، لأن ارسطو فوق طور الانسان، وكأن العناية الالهية ارادت ان تبين فيه مدى قدرة الانسان على الاقتراب من العقل الكلي، وابن رشد يعتبر ارسطو اسمى صورة تمثل فيها العقل الانساني، انه ليميل الى تسميته بالفيلسوف الالهي" (فصل المقال، دار المشرق، الطبعة الثانية، ص 15).

هذا الشخص الذي يسميه ابن رشد المعلم الاول، تتلمذ الاسكندر على يديه لمدة اربع سنوات، وبعد موت أبيه وتوليه حكم مقدونيا، كثرت عنده مشاغل الحياة، ولكنه استمر في ملازمة ارسطو لأربع سنوات أخرى، الى ان بدأ حملته العسكرية.

الاسكندر المقدوني (من موسوعة العالم الجديد)
http://www.newworldencyclopedia.org/...
"كان أرسطو معلم الاسكندر، اعطى الاسكندر تدريب شامل في البلاغة والأدب وحفز إهتمامه في العلوم الطبيعية والطب والفلسفة. يقول ارسطو ان حياة الانسان لها غرض وان جميع الناس يجب ان يدركوا ذلك الغرض، كما يجب عليهم استخدام قدراتهم الى اقصى إمكاناتها. كان يعتقد ان السعادة يمكن الحصول عليها عن طريق استخدام العقل والتصرف بشكل مستقيم. وعن الفضيلة يقول ارسطو انها تكمن في الاعتدال في كل شيئ. السعي لتحقيق التفوق الاخلاقي، والسعي وراء الحقيقية، أمر طبيعي." "Aristotle was Alexander's tutor; he gave Alexander a thorough training in rhetoric and literature and stimulated his interest in science, medicine, and philosophy. Aristotle taught that human life has a purpose and that all people need to realize that purpose and that everyone should use their abilities to their fullest potential. He believed that happiness is acquired through use of reason and by acting virtuously. Virtue, said Aristotle, lies in moderation in all things. The pursuit of moral excellence, and of truth, is natural."

الاقتباس اعلاه من موضوع عن الاسكندر، وليس عن ارسطو. الاسكندر لم يؤلف كتب ولم يكن لديه طلبة يكتبون عنه فلسفته في الحياة، وفي الحقيقة لم يكن يصرح بأفكاره لأحد، ولا حتى اقرب المقربين اليه، ولا توجد طريقة منطقية لتفسير تصرفاته وتوجهاته الفكرية وأخلاقه إلا بدراسة فلسفة ارسطو.

ادق التواريخ المكتوبة عن الاسكندر هو تاريخ اريان، وذلك انه يذكر مصادره، وقال انه اخذ تاريخه من ابن بطليموس ملك مصر، وكان بطليموس صديق الاسكندر واحد جنرالاته، وكان بطليموس يكتب مذكراته في رحلاته وغزواته مع الاسكندر. وبالرغم اقرار المؤريخين ان تاريخ اريان هو الادق على الاطلاق، إلا انهم يتهمونه بالتحيز لصالح الاسكندر، وانه لا يكتب عنه إلا الايجابيات، فيذهبون للبحث عن السلبيات في كتب المؤرخين الاخرين، ولا يملكون طريقة في ترجيح رواياتهم إلا التخمين.

روائية قصصية، وليست مؤرخة، اسمها «ماري رينولت» كتبت قصة بعنوان «الصبي الفارسي» (The Persian Boy by Mary Renault) وزعمت ان الاسكندر كانت له علاقة جنسية مع صبي مخصي من فارس يدعى باگواس (Bagoas).

تقول القصة ان باگواس كان عشيق داريوس، مالك فارس، وبعد ذلك اصبح عشيق الاسكندر.. وبعد ان قطع الاسكندر صحراء بلوشستان، أقام حفل رقص وغناء في ولاية هيركانيا في فارس. فاز في الرقص باگواس، فصاح الجمهور على الاسكندر ان يقوم بتقبيل الصبي. فقام الاسكندر وقبله ثم احتضنه. هذه هي القصة بأكملها، وما عداها ليس سوى خيال روائي وسينمائي بحت.

الحقيقة هي ان باگواس لقب يحمله الكثير من الناس وليس اسم كما توهم ملفق القصة.. كلمة باگواس تعني مخصي اصطلاحا، ومعناها الحرفي عطية الاله.

حصل الالتباس لمن قام بتلفيق القصه ان الاسكندر كانت لها علاقات في فارس مع مخصيين، ومن غير معرفة وظيفة المخصي في مملكة فارس.

كان ملوك الامبراطورية الفارسية الاخمينية يقومون بشراء الاطفال ابناء الفقراء ثم يخصونهم، ويستبعدون ابناء العوائل الكبيرة التي لها نفوذ في البلد، خشية ان ينقلبوا عليهم، ثم يجعلون من المخصيين قادة عسكريين في الجيش والحرس الخاص، وولاة على الدول التي يحتلونها.

بالنسبة لليونانيين كان للمخصيين وظيفة مختلفة تماما. كان "البعض" من الطبقة الاستقراطية في اليونان يشترون الاطفال الفقراء ويخصونهم لكي يمارسوا معهم الرذيله! ومن هذا المفهوم نرى ان الذي لفق قصة المخصي للاسكندر كان يظن ان المخصيين في فارس لهم نفس وظيفة المخصيين في اليونان. فيسمع من القصاص والرواة عن علاقة حميمة بين الاسكندر وبين باگواس. ثم لا يجد في هذه العلاقة ما يجده في بلده. فقام بتلفيق قصة من وحي الخيال، فالتقطها عنه مؤرخين من الدرجة الثانية والثالثه. وإلا فإن الباگواس لم يكن فرد واحد كما ظن ملفق القصه وكما توهمت الروائية ماري رينولت وتخيلت سينما هوليود.

أحد الباگواس المشهورين الذين كانت لهم مع الاسكندر علاقة جيده يدعى باگواس ابن فارناس  (Bagoas son of Pharnuces)، عينه الاسكندر قائدا على الاسطول الذي عبر نهر السند. وقد ذكره المؤرخ اريان (Arrian) في تاريخه. ظنت الروائية ماري رينولت انه نفس الشخص الذي قبّله الاسكندر في الحفل المزعوم. وكلما ورد اسم باگواس في أي موقف، تظن انه نفس الشخص.

نقرأ من مسوعة ويكيبيديا هذا الاقتباس: "كان الخصي السياسي مؤسسة قائمة بذاتها بين مؤسسات الامبراطورية الأخمينية. تمكن المخصيين من الوصول الى مناصب عليا في الديوان (أو البلاط) الأخميني"

"Political eunuchism became a fully established institution among the Achamenide Persians. Eunuchs held powerful positions in the Achaemenide court."
http://en.wikipedia.org/wiki/Eunuch

ومن الموسوعة البريطانية مايلي: "اصبح استخدام المخصيين كمستشارين ومسئولين في الامبراطورية الأخمينية (559 - 330) قبل الميلاد."

"Eunuchs were used as court advisers and officials in Persia under the Achaemenids (559–330 bc)."
http://www.britannica.com/...

المملكة الاخمينية اعتمدت على المخصيين وابعدت الافراد من الطبقة الاستقراطية والعوائل المشهورة حتى لا يستغلوا مناصبهم لتعزيز مكانة أقربائهم، ومن ثم تقوى شوكتهم ويصبحوا منافسين للأخمينيين على السلطة.

باختصار، باگواس لم يكن شخص واحد، كما ظهر في فيلم هوليود المبني على رواية الصبي الفارسي، وإنما لقب يحمله مجموعة كبيرة من الرجال، منهم الخدم ومنهم القادة العسكريين، ومنهم من يدير شؤون الدوله.

تاريخ الاسكندر هو التاريخ الذي كتبه المؤرخ اريان فقط ، والجميع اتفق على انه اصح وادق التواريخ، أمّا بقية المؤرخين فقد اختلطت عندهم الحقائق بالاشاعات، وتمييز الصحيح في رواياتهم أمر متعذر. أمّا عن معتقداته وأفكاره فقد احتفظ بها لنفسه ولم يخبر بها أحد، وفي أي حال من الاحوال فلن تخرج عن ما تعلمه من ارسطو.

قيل انه وثني، ضربا بالغيب. ولا يعلمون يقينا حقيقة معتقده وبماذا يؤمن.

كان كلما دخل بلد زار معابدها، ولم يكن أبدا يصرح بالسر في زيارته لتلك المعابد. لذا افترض بعض المؤرخين المعاصرين انه كان يزورها بقصد ان يكسب ود أهل البلد. وكانت المفاجئة في رحلته الى واحة سيوه، منطقة نائية في قلب الصحراء ليس فيها أي هدف سياسي أو استراتيجي. وأيضا لم يخبر أحد بقصده من تلك الزياره، ولكن توجد "تخمينات" من القيل والقال.

أهل مدينة صور أعلنوا له الحياد في حربه مع فارس، وكانوا سيسمحوا له دخول بلدهم دون قتال، شرط ان لا يدخل معبدهم، فأصر على دخول المعبد، مما جعل اهل صور يرفضون دخوله البلد، فنشبت بينهم حرب استمرت ستة اشهر. فإذا كان السبب في دخوله معابد أهل البلد ليكسب رضاهم فقط، لكان وافق على الشرط، لأنه فيه رضاهم، ولكن هناك سبب آخر لم يخبر به الاسكندر أحد. والله وحده الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور.

مسألة ان الاسكندر كان وثنيا مبنية على اساس ان اغلب الاغريق وثنيين. بينما لا يوجد شيئ على الاطلاق ما يثبت انه هو شخصيا كان وثنيا. الرجل لم يشيد تمثالا واحدا، ولا معبد واحد، لأي من آلهة الوثنين الذين كانوا في ذلك الزمن، ولا حتى تمثال لنفسه. ولم يصدر عملة معدنية واحدة عليها آلهة الوثنيين. وبالعكس من ذلك، كان في خطاباته العسكرية يتحدث عن اله الكون الواحد، وليس عن إله كأمون رع أو زيوس. وجاء في خطاب له سجله المؤرخ اريان: "الله نفسه، وبالاضافة الى انه جعل داريوس يترك الارض مفتوحه ويحكر جيشه العظيم في مكان ضيق، فقد اتخذ مسؤلية العمليات لصالحنا."

"God himself, moreover, by suggesting to Darius to leave the open ground and cram his great army into a confined space, has taken charge of operations in our behalf."
http://www.thelatinlibrary.com/...

هذه جملة قصيرة ولكن معناها كبير. كان الاسكندرقائدا فذا عظيما بمعنى الكلمة، ومع ذلك، لا ينسب الفضل لنفسه. يقول الله هو الذي جعل داريوس يترك الارض لنا، والله هو الذي تكفل بمسؤلية العمليات لصالحنا. وماذا كان دور الاسكندر؟ من وجهة نظره لم يفعل شيئ!

الان تجد من لم يحقق واحد من الألف من انجازات الاسكندر، ثم بعد ذلك يقول أنا، وأنا!

وفي القرآن: "قال هذا رحمة من ربي"، "قال ما مكني فيه ربي خير"؟ فإذا كان ذو القرنين الذي ذكره القرآن يعيد الفضل في كل صغيرة وكبيرة لله، فهذا هو الاسكندر وهذا هو اسلوبه في الحديث.

الاسكندر المقدوني على عملة معدنية بقرون فيل هندي. هذه العملة هي العملة الوحيدة التي أصدرها الاسكندر اثناء حياته. بينما العملات الاخرى بقرون الكبش صدرت له بعد موته تخليدا لذكراه. كانت القرون في السابق رمزا للقوة والبطش، وليس لها أي رمزية دينية كما يشاع. وإن كان الاغريق قد وضعوا على رأس إلههم زيوس قرون الكبش، فهم من وضعها على رأسه، ولم يأتهم زيوس بهيئة رجل على رأسه قرون.

كان الرأي السائد بين المسلمين في الماضي ان ذو القرنين هو الاسكندر المقدوني. ربما بنوا هذا الافتراض على العملة المعدنية التي عليها صورته بقرون الكبش. ومع انه لم يصدر تلك العمله، إلا انها كانت متداولة في الجزيرة العربية والشام ومصر. وأيضا على اساس ان السائلين لابد انهم سألوا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن شخص معروف، وليس عن كائن خرافي، أو مخلوق انقرض في عصر الديناصورات، أو عن شخص من العصر الحجري دخل التاريخ وخرج منه دون أن يعرفه أحد ولم يكتب عنه أحد. مع العلم ان القرآن ممكن ان يتحدث عن احداث أو شخصيات لم يرد لها ذكر في التاريخ المعروف، ولكن في هذه الحالة يأتي الحديث عنها كمعلومة جديدة وليست ردا على سؤال.

الان في العصر الحديث، وبعد تداخل الثقافات، اطلع بعض المسلمين على ما يقال عن الاسكندر في أوربا، فصرفوا النظر عنه وأعطوا لقب ذو القرنين لملك فارس، كورش. وكأن المسألة هي مجرد لقب، اسحبه عن هذا واعطه الثاني! وما يدريكم ان ملك فارس كان شخص جيد؟ كان الرجل يلقب نفسه ملك الملوك، شاهنشاه!

قيل ان كورش مكتوب عنه في كتاب اشعيا. وأيضا: ما يدريكم ان تقرأونه في هذه الكتب صحيح؟

بالرغم من ان الفصل من كتاب اشعيا لا يسمي كورش ذو القرنين، ولا ينسب له أي من الاحداث التي ذكرها القرآن، إلا ان هذا الفصل بحد ذاته مشكوك في صحته. ويُعتقد انه فصل ملفق أدخله اليهود على كتاب اشعيا اثناء الاسر البابلي، كنوع من النفاق والمجاملة حتى يسمح لهم كورش بالعودة الى فلسطين.. الرابط التالي فيه اقوال بعض المحققين في سفر أشعيا، ورأيهم في اجزاء يشكون في صحة نسبتها الى أشعيا، ومنها الجزء المتعلق بالملك الفارسي كورش (Cyrus)، وإنه كُتب بعد الحدث:
http://www.christiananswers.net/...

كانت هذه المقدمه مهمة لوضع النقاط على الحروف قبل الدخول في صلب الموضوع.

 

2) مغرب الشمس ومطلع الشمس والعين الحمئة التي تغرب فيها الشمس

جاء في فقرة سابقة ان كفار قريش لم يسألوا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن شخص مجهول أو كائن خرافي، وإنما عن قائد تاريخي معروف مكّن الله له في الارض. فإذا كان السائلون يعرفون هوية هذا القائد، فلابد ان يكون له وجود في التاريخ. وإذا ما جمعنا كل الشخصيات التاريخية المعروفه، ونظرنا الى صفاتهم، مع اخذ القرون بعين الاعتبار، ثم تبعنا خطاهم واحد، واحد. فمن هو القائد الذي سيوصلنا الى المواقع التي ذكرها القرآن، مواقع كما واصفها القرآن بالضبط ، بالحرف الواحد: مغرب الشمس، والعين الحمئه، ومطلع الشمس، وأيضا صناعة حاجز من صدفين (جانبين) بين سدين، ليغلق به ممر كان يخرج منه قوم يأجوج ومأجوج، كما ذكر القرآن: "حتى اذا ساوى بين الصدفين" -- هذا الحاجز كان من صدفين فقط ، بوابه، وليس سد عظيم كما يشاع!

وعلى هذا الاساس، واستنادا الى اصح المصادر التاريخية، كان الاسكندر المقدوني هو ذو القرنين.

دخل الاسكندر مصر من تل الفرامة دون قتال، وهو في طريقه الى ممفس، توقف في مدينة هليوبولس، طبقا لما ذكره المؤرخ اريان (Arrian)، وكان فيها في ذلك الزمن أكبر معابد الشمس في مصر كلها على الاطلاق.

هذه المدينة التي كان يسميها الاغريق هليوبولس، ومعناها مدينة الشمس، كانت فيها عين ماء مقدسة، "موحلة"، تسمى «عين الشمس»، وهي الظاهرة في الصورة، والشمس تدخل فيها من بين زهور اللوتس، ويقف بجوارها رجل يحمل في يديه رمز القربان.

ولكن هذه الشمس ليست حقيقية، وإنما روح الاله رع (الشمس)، أي روح الشمس.

كان قدماء المصريين يعتقدون ان الشمس تموت في آخر اليوم، فتنفصل الروح عن القرص. تأتي الروح الى عين الشمس، أمّا القرص فتبتلعه آلهة السماء -- سوف نرى تصوراتهم عن هذه العملية لاحقا.

مدينة عين شمس الحالية كانت جزء من هليوبولس القديمه. والاحتمال الوارد ان اسم هذه المدينة التي تسمى الان عين شمس قد جاء من عين الشمس المقدسه، عين الماء التي تدخل فيها روح الاله رع في نهاية اليوم.

مصطلح "رع" يعني الشمس، وبغض النظر سواءا كان الحديث عن الروح أو عن قرص الشمس، مثل الانسان لا فرق بين روحه وجسده. وهو مذكر وليس مؤنث.


الشمس الشابة في زهرة لوتس

وبعد ان يدخل رع في العين بواسطة زهرة اللوتس، يخرج من باب تحت الارض. ثم ينطلق في زورق العالم السفلي ترافقه مجموعة من الآلهه، بالاضافة الى ارواح الموتى الذين ماتوا في ذلك اليوم، في رحلة ليلية مليئة بالمخاطر الى الموقع الذي يطلع منه، مطلع رع، مطلع الشمس، وفيه أيضا عين ماء أخرى فيها زهور اللوتس، حيث يستقبل المصريين القدماء طلوع الزهرة من الوحل بفتيات عاريات يغنون ويرقصون.

كان القوم يستخدمون نفس التعابير الذي ذكرها القرآن بالضبط. ومثلما يفعل مترجمي البرديات حاليا، والمؤرخين قديما وحديثا، في ترجمة رع الى الشمس (sun)، القرآن أيضا ترجم رع الى الشمس. فمثلا عندما كتب المؤرخون الاغريق عن عين الشمس، لم يطلقوا عليها عين رع، وإنما عين الشمس، وفي الصورة المقابلة كتب المترجم ان "الشمس" في زهرة لوتس.

بإختصار: يغرب رع (الشمس) في عين ماء، ويطلع من عين ماء أخرى. عند غروبه يدخل في زهرة لوتس، وعند طلوعه يخرج من زهرة لوتس أخرى.

ليس فقط رع الذي يدخل في زهرة، وإنما أيضا ارواح الموتى الذين ماتوا في ذلك اليوم. وكل ميت يدخل في زهرة مستقلة. وجميعهم في نفس العين الحمئه.

الصورة على اليمين تمثال الملك (توت عنخ أمون)، وهي تماثل الصورة المجاورة للرجل الذي في زهرة لوتس وهي تغطس في عين حمئه.

زهرة اللوتس التي كان يدخل فيها رع (الشمس) كانت من النوع الذي يغطس في المياه الموحلة مع حلول المساء، غروب الشمس، وتطلع منه عند فجر اليوم التالي.

مع العلم ان جميع زهور اللوتس لا ينمو الا في الماء الوحل والمستنقعات المائية الموحلة. الوحل يترسب في القاع. والجذور هي التي تحتاج الى وجود الوحل.

كانت هذه الزهرة مقدسة في اعتقادهم ويعتبرونها آلهه. هذه الزهرة هي التي وجدها ذو القرنين تغطس، تختفي (تغرب)، في عين حمئه.

ورأينا فيما سبق ان حرف الهاء في كلمة وجدها يعود الى مصطلح "محذوف" لم تذكره الايه. "وجدها" «لا تساوي» "وجد الشمس". هذا المحذوف هو زهرة اللوتس التي يدخل فيها اله الشمس، في موقع مغرب الشمس.

"حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها [وجد الزهرة] تغرب في عين حمئه" -- هذا هو الشيئ المشاهد، والمحذوف من الايه، الذي وجده ذو القرنين يغرب في عين حمئه.

زهور اللوتس: الزهرة فقط التي تغطس في الماء أما الورق فيبقى يطفو على السطح. الوحل يترسب في القاع. جذور الزهرة هي التي تحتاج الى وجود الوحل.

وكما هو معلوم ان كلمة "تغرب" تعني تختفي. وعلى نفس الوزن جاءت العبارة «اغرب عن وجهي»، أي اختفي.

أمّا "السبب" في صياغة الايات بهذه الطريقة التي تبدو وكأنها لغز، فهذه علمها عند الله. وبكل تأكيد يوجد سبب ومغزى ولكننا لا نعلم.

وفيما يخص الزهرة، فإن الاشياء برمزيتها، وقدسيتها، وقيمتها المعنوية لدى القوم الذين عبدوها من دون الله.

الان من يبحث عن الحقيقه، ويُقيّم الديانات، وله عقل يفكر به، مثل الاسكندر، لن يتقبل إله يدخل في زهرة ويغطس في الوحل، حتى وإن خرّت له الملوك ساجدين، وأنشأوا له أعظم حضارة قديمة في تاريخ البشريه. هذه هي الحكمة التي نراها من الايات. فالقضية إذن ليست مجرد زهرة وتغطس في الوحل، وإنما قدسية الزهرة. هم لا يرون الاله، وإنما يرون الزهرة. ولإنهم يعتقدون بوجود الاله فيها، فقدسية الزهرة من قدسية الاله نفسه.

كتب عالم المصريات «واليس بدج» عن قيام ملك النوبة بغزو مصر واحتلالها. كان الملك يدعى پيانخي (Piānkhi). وكان سكان النوبة على دين المصريين، بنفس الآلهة والطقوس. هذا الملك سلك نفس طريق الاسكندر ولكن بالعكس، فبدلا من هليوبولس الى ممفيس، جاء الملك من ممفيس الى هليوبولس. وبحسب بدج، يوجد نقش حجري كبير في المتحف المصري يصف هذا الغزو من بدايته. الان سنستعرض الفقرة الخاصة بهليوبولس وعين الشمس، لترى مكانة هذه العين الحمئة بعيون القوم الذين قدسوها:

"عبر [پيانخي] من مدينة ممفيس الى الجهة الشرقية من النهر وتوجه الى مدينة «هليوبولس» ليقدم القرابين لـ تِمو [إله الشمس الميت]. أغط [أحم] وجهه في ماء العين المشهورة «عين الشمس» (Fountain of the Sun)، وقدم ثيران بيض قرابين لـ رع، ثم ذهب الى المعبد العظيم لإله الشمس. رحب به رئيس الكهنة وباركه. ثم قام بعمل طقوس غرفة توات [غرفة الاموات]، وكسى نفسه بملابس الطقوس، وبخر نفسه، وتم رشه بالماء المقدس، وقدم زهور في الغرفه، التي فيها الصخره، حيث مسكن روح إله الشمس هناك في أوقات معينه. ثم صعد الى مقام الاله رع ووقف هناك. كسر الختم وفتح باب المقام، ونظر الى الاب الاله رع في «حت بنبن». قدم التحية الى زورقي رع، زورق ماعتت و زورق سختت، ثم أغلق باب المقام وختمه بالختم الخاص به."

"From Memphis he [Piānkhi] passed over to the east bank of the Nile to make an offering to Temu of Heliopolis. He bathed his face in the water of the famous "Fountain of the Sun," he offered white bulls to Rā at Shaiqaem-Anu, and he went into the great temple of the Sun-god. The chief priest welcomed him and blessed him; "he performed the ceremonies of the Tuat chamber, he girded on the seteb garment, he censed himself, he was sprinkled with holy water, and he offered (?) flowers in the chamber in which the stone, wherein the spirit of the Sun-god abode at certain times, was preserved. He went up the step leading to the shrine to look upon Rā, and stood there. He broke the seal, unbolted and opened the doors of the shrine, and looked upon Father Rā in Het-benben. He paid adoration to the two Boats of Rā. (Mātet and Sektet), and then closed the doors of the shrine and sealed them with his own seal." (Budge, The Literature of the Ancient Egyptians, P.124)
http://www.gutenberg.org/...

هذه العين التي يسميها بدج العين المشهوره، عين الشمس، (fountain of the sun)، كان يزورها الملوك ويقدمون عندها القرابين، ويغسلون وجوههم بمائها. هذه العين هي العين الحمئة التي وصل اليها ذو القرنين.

كانت هذه العين بالنسبة لهم في مكانة بئر زمزم عند المسلمين، وكانت مدينة هليوبولس في ديانتهم في مكانة مكة عند المسلمين، والمعبد العظيم لإله الشمس يقابله المسجد الحرام، ولكن بعرف ذلك الزمن، كان اكبر من المسجد الحرام، حيث بلغ عدد العاملين فيه في قمة ازدهاره (13) ألف من كهنة وعبيد. وكل هؤلاء يقيمون دينهم على زهره!

"At its height, the temple employed 13,000 priests and slaves."
http://looklex.com/e.o/heliopolis.htm

مغرب الشمس: اللفظ القرآني في وصف المكان الذي فيه العين الحمئه هو مغرب الشمس -- مغرب الشمس يحتمل ان يكون اسم أو صفه، العبارة تقبل الاحتمالين، والظاهر انه صفه. وكذلك مطلع الشمس.

كان قدماء المصريين يطلقون مصطلح الغروب على دخول الاله الى العالم السفلي. يحتمل انهم قصدوا الموت بهذه التسمية. وفي هذا الزمن تجد في بعض البلاد العربية، باللهجة العاميه، يقولون "غاب فلان"، بما يعني مات فلان. واذا سألت عن فلان أو علان، يأتيك الجواب "غرّب" بتشديد الراء، بما يعني انه مات. وربما قصدوا بهذا اللفظ شيئ آخر. ما يعنينا هنا هو انهم كانوا يطلقون مصطلح الغروب على دخول الاله الى العالم السفلي.

إقتباس: "يقول أوزيريس (N)، تحية توقير لـ (تِمو) عندما يغرب في ارض الحياة ويسلط اشعته على توات. تحية لغروبك في ارض الحياة، يا أب الآلهه." (بيتر بيج، كتاب الموتى، ص 27)

"The Osiris N; he saith, adoring Tmu, when setting in the Land of Life and shedding his rays on the Tuat; Hail to thee setting in the Land of Life, O Father of the gods." (Peter Page, Book of the Dead, p.27)

لا حظ المصطلحات المستخدمة في النص: يغرب، غروبك. الكاتب الاصلي يخاطب "روح" الشمس (تمو، إله الشمس الميت)، وليس الشمس الحقيقية، ولكن يستخدم مصطلح الغروب.

ونص آخر: "تسبيحة حمدٍ لـ  «رع» عندما يصعد في الافق، وعندما يغرب في أرض الحياة" (بدج، كتاب الموتى، الجزء الثاني، ص 487)

"A hymn of praise to Ra when riseth upon the horizon, and when he setteth in the Land of Life" (Budge, Book of the Dead, Vol.2, Ch.XV, p.487).

هذه نصوص واضحة تدل على انهم كانوا يستخدمون مصطلح "الغروب" للتعبير عن دخول الاله الى العالم السفلي. والاله هو الشمس. والمكان الذي يغرب فيه يمكن وصفه بمغرب الشمس، "حتى اذا بلغ مغرب الشمس"

والشمس تغرب في أرض الحياة.

كانت توجد منطقة في مدينة هليوبولس اسمها أرض الحياة، وهو الاسم الظاهر في الصورة المقابلة من قاموس «واليس بدج». الرموز المعلمة بالاصفر تعني الحياة (عنخ). والرموز الاخرى تعني على انها ارض حقيقية، وبالحرف الواحد: أرض الحياة. يعرفها بدج بقوله: مقاطعة من هليوبولس.

الاقتباس التالي من حاشية كتاب الموتى لـ «واليس بدج»، وفيه رأي المؤلف عن المكان الذي تغرب فيه الشمس:

"أمنتا أو أمنتت، ، كانت في الاصل المكان الذي تغرب فيه الشمس، ولكن بعد ذلك تم اطلاق المصطلح على جميع المقابر التي بُنيت على المرتفعات والجبال على الضفة الغربية من النيل. يعتقد البعض ان أمنتا، في البداية، كانت محافظة صغيرة ليس لها أهمية جنائزية أو دينية."

"Amenta or Amentet, , was originally the place where the sun set, but subsequently the name was applied to all the cemeteries which were built in the stony plateaus and mountains on the western bank of the Nile. Some believe that Amenta was, at first, the name of a small district, without either funereal or mythological signification." (Budge, Book of the Dead, Vol.1, p.202)

يرى بدج ان أمنتا هي المكان الذي تغرب فيه الشمس (رع).. الديانة المصرية لا تزال ملتبسة على دارسيها، وكل باحث فيها له رأي مخالف لغيره. ما وجدناه هو أن أمنتا هي المكان الذي تطلع منه الشمس، وهي توصف بالارض الخفية، والمكان الخفي، ومقر الموتى الاخير، وهي في واحة سيوه في صحراء مصر الغربية. يطلع الاله من عين ماء كانت موجودة في حديقة معبد أمون، وكانت تسمى عين الشمس، كتب عنها العديد من المؤرخين الاغريق، منهم اريان كاتب تاريخ الاسكندر. هذه النقطة ونقاط أخرى معروضة بالتفصيل في موضوع آخر يتحدث عن الديانة المصرية وأصولها والأسـس التي نشأت عليها، بعنوان: رستاو، عين الشمس، وأصول الديانة المصرية القديمة.

 

نرى في الصورة أعلاه رجل ميت يقف أمام الاله أمون (amun-min)، وتقف حتحور (ابنة رع) خلف الميت، أكليلها قرص الشمس بين قرنين، وتعلوهما ريشتين. وفي المشهد الثاني، رجل ميت يؤدي التحية لحتحور، تُمسك في احدى يديها الصولجان وفي الاخرى العنخ (رمز الحياة الابدية). وفي الصورة أيضا عين الشمس خلف أمون، عن يمينها شجرة وعن يسارها شجرة، وفي الوسط زهرة لوتس، والباب في اسفلها يؤدي الى العالم السفلي. هذا المشهد في واحة سيوه، حيث يخرج الموتى من تحت الارض.

مطلع الشمس: بعكس الغروب، عندما يصفون خروج رع (الشمس) من تحت الارض، لا يقولون يشرق وإنما يخرج (يطلع). ولدينا في القرآن مصطلح «مطلع الشمس».

"يخرج [يطلع] الاله من مكانه الخفي" (واليس بدج، كتاب الموتى، الجزء الثاني، ص 504، فصل 133).
"The God cometh forth from his hidden place" (Budge, Book of the Dead, Vol.2, Ch.133 [CXXXIII], p.504)

وعلى هذا نجد ان القوم كانوا يستخدمون مصطلح "الطلوع" للتعبير عن خروج الاله من تحت الارض، وليس الشروق، مطلع رع، مطلع الشمس، "حتى اذا بلغ مطلع الشمس".

تغرب الشمس في ارض الحياة، وتطلع في المكان الخفي (أمنتا)، كلمة أمن تعني خفي، تا تعني أرض، (Amenta).


1. مشهد عين الطلوع، تظهر فيه اوراق اللوتس، بالاضافة الى الشمس، وجزء من الزورق.
2. زورق العالم السفلي، زورق إله الشمس الميت، برفقة الآلهه، على وشك الطلوع في مطلع الشمس (رع).

الديانة المصرية كانت غنوصية سرية، لا يعرف مفاهيمها الاساسية سوى الكهنة أرباب الديانة. حتى وإن كانت واحة سيوه معروفة للعامة، للمصرين وغير المصريين، ولكنهم لا يعلمون ان فيها مطلع الشمس. نحن الان لا نتحدث عن مطلع الشمس على انه ساحة عامة، ولكن عن مكان صغير داخل معبد أمون، ولا يعرف ما هيته سوى الكهنة والمقربين فقط.

في مطلع الشمس تتم محاكمة الاموات الذين ماتوا في ذلك اليوم أمام ملك الموتى «أوزيريس». فمن يجتاز الحساب يعيش كائنا أبديا ممجدا في المنطقة التي يطلع منها إله الشمس. ومن يسقط في الحساب يلتهم قلبه حيوان مفترس يسمى «ام مات» ويقضي عليه فورا. ولكن سعيد الحظ الذي يصل الى مكان الحساب، حتى وان التهم قلبه الحيوان المفترس. أصحاب الذنوب الكبيرة يبقون يعذبون تحت الارض لفترة من الزمن الى ان تصفر حساباتهم ثم يموتون.

المشهد أعلاه يصور حياة الكاتب «آني»، كاتب البردية المشهورة المسماة بردية آني. كتبة البرديات بشكل عام كان يرتبط اسمهم بالاله أوزيريس، فيسمى آني «أوزيريس-آني». في أعلى الرسم صورة آني عندما كان في أيام حياته يمجد ويقدس الالهة. وبعد موته يسوقه الاله أنوبس (Anubis) الى الميزان. على يمين الميزان توجد ريشة الحقيقة، ريشة ماعت (كلمة ماعت تعني الحقيقة)، وعلى الكفة الاخرى قلب الميت. فإذا رجحت ريشة الحقيقة على قلب الميت، اجتاز الحساب بنجاح. وإذا زاد قلب الميت على الريشه، فيعتبر من الساقطين. يقف على الجانب الايمن من الميزان الاله تحوت (Thot) برأس قرد له منقار، يمسك بيده قلم وورقه يسجل فيها قراءة الميزان. الحيوان الغريب برأس التمساح «أم-مات» يجلس تحت الميزان ينتظر نتيجة القراءة. ولكن «أوزيريس-آني» يجتاز مرحلة الحساب بنجاح. فيأخذه الاله حورَس ليقدمه الى ملك السلام أوزيريس سيد أمنتا. يجلس أوزيريس على كرسي العرش، حيث يقع هذا الكرسي على بركة ماء، تطلع منها زهرة لوتس، يقف عليها من قيل انهم ابناء حورس الاربعة. وبما ان اللوتس لا يعيش إلا في الماء الوحل، فهذه البركة التي يقع عليها كرسي أوزيريس هي عين حمئة أيضا، وفي الحقيقة هي رمز لعين الشمس، لأن أوزيريس هو السؤول عن عين الشمس، ومسؤول عن الميزان، وعن كل ما له علاقة بالعالم السفلي والحياة بعد الموت. يقف خلف الكرسي امرأتان، أخوات، الظاهرة بالكامل اسمها نفتيس، والاخرى اسمها أيزيس. هاتين الاختين يرافقان رع في رحلته الليلية تحت الارض من مغرب الشمس الى مطلع الشمس (رع).

الحساب في اعتقادهم يحصل في نفس اليوم الذي يموتون فيه ولا ينتظرون الى يوم القيامه، وذلك انهم لا يعتقدون بيوم القيامه. جنتهم وجحيمهم على الارض فقط. ولكن يوجد في اعتقادهم ان رع قادر على ان يخسف الارض بمن عليها وينشئ لهم أرضا أخرى اذا اراد.

تذهب الروح الى العالم السفلي بواسطة زهرة اللوتس التي في العين الحمئة، ولكن أين يذهب الجسد، قرص الشمس؟


الصورة في الاعلى توضح ما يحدث لقرص الشمس، وهو القرص الاحمر في الصورة. انظر لحركة الشمس من اليمين الى اليسار. في الجزء العلوي من جسد آلهة السماء نوت (Nut) ترى قرص الشمس بين نجوم، وهذا هو الليل. وفي الصباح التالي تلد نوت قرص الشمس من فرجها، فيأتي "الصقر" الظاهر في الصورة على الجهة اليسرى، الخارج من عين الماء، وهو رمز "روح" الاله، ويتجسد في القرص. وهنا يبدأ النهار. يمر القرص في النهار من تحت بطن نوت، تتبعه الالهة في زورق رع (زورق الشمس). تضيئ الدنيا ويذهب الناس الى أعمالهم. وفي نهاية اليوم تبتلع نوت قرص الشمس من فمها، فيعود القرص الى داخل جسدها مرة أخرى، بينما تذهب الروح الى العالم السفلي.

وبما ان المقصود هو الروح، فهذه يمكن ان تطلع من أي مكان، ثم تطير وتتجسد في القرص عندما تلده آلهة السماء نوت (Nut). وعلى هذا فإن مطلع الشمس ليس بالضرورة أن يكون في الشرق!

لم يقل القرآن ان ذو القرنين ذهب غربا حتى بلغ مغرب الشمس، ثم توجه شرقا حتى بلغ مشرق الشمس. المصطلحات التي استخدمها القرآن تدل على مواقع: «مغرب الشمس»، و «مطلع الشمس»، والمسألة لا دخل لها بشرق وغرب.

Script:DoSizeImage idSunHorus1 idSunHorus2

مكتوب تحت الصورة في الاعلى عبارة «رع على صورة أتم»، اتم هو ابو اوزايريس، وهو يوازي آدم أبو البشر -- في المساء يصورونه على صورة أتم  ابو اوزايريس، وفي الصباح على صورة حورس ابن اوزايريس. وعندما يكون في زورق العالم السفلي يصورونه برأس خروف على رأسه قرص الشمس، ويُسمى آف. ولكن الاله بالنسبة لهم ليس له صورة ولا شكل. وعندما يرسمونه في صور، فإنهم لا يعتقدون انه شكله الحقيقي. وكذلك بقية الآلهه. والصور ما هي إلا مجرد رموز لها دلالات أخرى، ولا علاقة لها البتة بأشكال الآلهة أو صورهم الحقيقية.

لا يوجد في الكتابة الهيروغليفيه حروف علة تضبط النطق. فمثلا كلمة أتم يكتبونها بثلاثة حروف (TMU) أو (TM). وعلى هذه الحروف فإنه من الصعب تحديد اللفظ بدقه، فيكتبونها في التراجم الان: أتم، تم، تيمو. وقس على هذا جميع الكلمات والاسماء.

الصورة على اليمين اعلاه صورة فوتوغرافية لعين الشمس التي كان يخرج منها الموتى في الصباح الباكر، بما فيهم الاله رع. صمموها من الدخل بطريقة تشبه تصوراتهم الدينية، وصنعوا لها ما يشبه الباب بإتجاه تدفق المياه.

 

 

 

3) وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا

ومع طلوع الزهرة من الوحل، يبدأون في الغناء والرقص، وهم عرايا لا يلبسون شيئا سوى حزام الورك، احتفالا بمولد إله الشمس ليبدأ يوم جديد، وأيضا احتفالا بقدوم الموتى الذين رافقوه الى مقرهم الاخير.

"وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا"

رسوم على جدران المقابر تظهر كيف يكون استقبال الميت. وهذا الاستقبال يكون في الصباح، في الموقع الذي يولد فيه اله الشمس من جديد (rebirth).

كما يُستقبل الموتى، وإله الشمس أيضا، بهدايا ومأكولات.

الملك رمسيس الثالث يبتهل لولادة رع في الصباح وهو عريان لا يلبس شيئا سوى حزام الورك.

ظهرت اشاعات عن رحلة الاسكندر الى واحة سيوه. فقيل انه ذهب الى هناك من أجل ان ينال لقب ابن الاله، وقيل ذهب لمعرفة من قتل والده، وقيل أيضا لكي يعرف ان كان سيحكم العالم أو لا، والشيئ الذين اتفق عليه المؤرخين، الغابرين والمعاصرين، انه لم يخبر أحدا عن هدفه من الزيارة، ولم يخبر أحدا أيضا عن ما دار بينه وبين كهنة المعبد من حديث، واحتفظ بسره لنفسه الى ان وافته المنية وانتقل الى رحمة ربه.

وبعد ان وجدها [وجد الزهره] تطلع من الوحل على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا، أشار القرآن الى شيئ خفي، سري، كان لدى ذو القرنين في مطلع الشمس، "كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبْرا" -- هذا الشيئ الذي أحاط الله به خُبْرا هو السر الذي حير المؤرخين قديما وحديثا.

ولكن القرآن أيضا لم يصرح به!

إذا كان صاحب الشأن لم يخبر به أحد، فكيف للقرآن ان يذيع سره على الملأ؟ ومع ذلك، ألمح القرآن الى طبيعة هذا الشيئ الخفي الذي أحاط الله به خُبْرا، ولكن من غير الدخول في تفاصيله.

نجد في بداية النص كلمة "كذلك" ومعناها: "مثل ذلك" -- مثل ماذا؟ مثل الآية التي قبلها. وتلك الآية تحكي طقوس من معتقدات القوم. وطبعا كلمة "كذلك" ليس بالضرورة ان تكون مثله بالضبط. وقولك "سعيد كالاسد" ربما تقصد صفة واحدة مشتركه. وما لدينا هنا على هذا الوزن. فربما كان للرجل أسئلة عن معتقدات القوم لا يستطيع الاجابة عليها سوى كبار الكهنه، وبما ان ديانتهم كانت غنوصية سرية، فالاحتمال كبير انهم هم من طلب منه ان لا يخبر أحد. فالتزم الرجل بكلمته معهم.

"لم نجعل لهم «من دونها» سترا" -- السؤال الان: وهل يستر الانسان عورته من زهرة ، جماد؟

"من دونها" تعني بالقرب منها. "دنى" معناها اقترب. وفي نفس السورة: "حتى اذا بلغ بين السدين، وجد «من دونهما» قوما" أي بالقرب منهما وليس بين السدين بالضبط. وفي سورة الرحمن: "ومن دونهما جنتان"، بالقرب منهما جنتان.

التفسير هو ان هؤلاء القوم ليس لهم سترا في الصباح الباكر عندما يستقبلون طلوع الزهرة من الوحل، عندما يكونون بالقرب منها، أمّا في بقية الاوقات فلهم الخيار في ارتداء ما توفر لهم من ملبس.

ولماذا لم يجعل الله لهم سترا؟ هل بينه وبينهم عداوه؟

منذ الازل والانسان يميل الى "الستر" بالفطره. حتى انسان الادغال يستر عورته بجلد حيوان أو أي شيئ يتوفر له. وفي سورة التين: "لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين" فإذا ما وجد الانسان نفسه وقد انحدر الى تحت مستوى الفطره، فليعلم انه في ضلال مبين.

الله سبحانه وتعالى ينبه الانسان بالتدريج على قدر انحرافه عن الطريق المستقيم، الى ان يصل في الانحراف الى درجة اللامعقول، فيرده الى اسفل السافين، تنبيه له، وليس عداوه. والفطرة البشرية التي اشترك فيها جميع البشر هي ابسط قانون يمكن الاحتكام اليه. وليقارن الانسان أفعاله بهذه الفطرة المشتركة على الأقل. وإن كانت أفعاله نابعة عن تعاليم دينية، فليعلم انها ليست سوى تعاليم شيطانية.

طقوس لبس السماء (skyclad ritual)

الصورة المقابلة فيها نساء عاريات يمارسن طقوس شيطانيه تسمى «طقوس لبس السماء». أطلق عليهم الاجتماعيون في أوربا وأمريكا مصطلح «الوثنية الجديدة». وطقوس أخرى مشابهة يختلط فيها الرجال بالنساء والجميع عرايا.

هذا مثال في العصر الحديث على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا، بالقرب منها سترا، بالقرب من النار، وردهم الى أسفل السافلين، وهم يحسبون انهم يُحسنون صنعا.. وطبعا ليس بالضرورة ان تكون النار هي العامل الوحيد الذي ردهم الله بسببه الى اسفل سافلين.

فإذا لم يكن هناك مقياس يقيس به المرء تصرفاته، فكيف سيعرف ان كان على صواب أو على خطأ؟ والمقياس هو ما ذكره القرآن.

السبب في هذه الطقوس الشاذة في دين المصريين عائد الى حتحور ابنة رع -- بحسب الاسطورة، عندما احتدم الصراع على السلطة بين حورس وسيت، غضب الاله رع من أفعالهم وجلس حزينا، فقامت ابنته حتحور بخلع ملابسها وبدأت ترقص أمامه وهي عارية من الملابس حتى ذهب حزنه وانفجر من الضحك.

"In the myth of the contest for power between Horus and SETH it is the goddess [Hathor] herself, 'lady of the southern sycamore', who cures her father Ra of a fit of sulking by dancing naked in front of him until he bursts into laughter." (George Hart, The Routledge Dictionary of Egyptian Gods and Goddesses, 2nd ed., p.65)


المرأة الظاهرة في الصورة هي حتحور، عارية من الملابس، والصورة من معبد حتحور في قرية دندره في محافظة قنا، والطفل المولود هو حورس.

 

4) يأجوج ومأجوج (السيث والسارماش)

الموقع الثالث الذي بلغه ذو القرنين كان بين السدين، وهو في ولاية هيركانيا في فارس. هذه الولاية لم يعد لها وجود مستقل الآن، وتقسمت الى عدة ولايات، بعضها في ايران وبعضها في دول مجاوره.

أهورا مزدا (النور والحكمه)

القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا كانوا على ما يبدو من اتباع إله النور والحكمة (أهورا مزدا)، إله المجوس، وكانت فارس في ذلك الوقت تدين بالمجوسية. لاحظ ان الآية تقول "لا يفقهون" وليس لا يعرفون أو لا يجيدون، وإلا فإنه دار بينهم وبين الاسكندر حديث حول بناء السد ودفع الضريبه. الفقه هو الفهم. والظاهر ان الاسكندر تحدث معهم بالفلسفة والحكمة، ليختبر حقيقة العنوان، النور والحكمه، فوجدهم لا يكادون يفقهون قولا! ومن المحتمل جدا انه كان يوجد معبد في ذلك المكان، لأن المجوس يقدسون الجبال وكانوا يبنون معابدهم في الاماكن الجبلية.

هناك شيد لهم الاسكندر ردم من صدفين (جانبين)، بوابة، من نحاس وحديد، وأغلق ممرا كان يدخل منه قوم يأجوج ومأجوج من أسيا الوسطى لغزو الديار المجاوره.

طلب منه القوم ان يصنع لهم سد، فصنع لهم ردم. والردم أقل من السد. فمثلا اذا كان لديك ثغرة أو فتحة في جدار وقمت بسدها، فهذا يعني انك لحمتها لحام محكم وكأنه جزء من الجدار المحيط بها. أمّا اذا ردمتها فإن الردم مجرد اغلاق الفتحه بشيئ يمكن ان يقع. لذا نجد أحد معاني الردم في القاموس انه ما يسقط من الجدار المتهدم. لأن ما يسقط من الجدار المتهدم هو أضعف جزء فيه. وفي الاية: "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء" أي واقعا على الارض.

ظلت البوابة مغلقة لمدة (400) عام تقريبا. ثم بعد ذلك فتحها حاكم ولاية هيركانيا في العام (72) ميلادي، بعد ان عقد اتفاق مع قوم يأجوج ومأجوج أن لا يتعرضوا لبلاده. كتب عن فتح البوابة التي بناها الاسكندر مؤرخ معتمد عاصر الحدث (حدث فتح البوابة وليس بنائها)، وهو المؤرخ اليهودي يوسيفوس.

بعد ان فتحت البوابة، قام يأجوج ومأجوج بغزو ميديا وأرمينيا. وأخذوا معهم مجموعات هائلة من الغنائم من البلاد التي غزوها، ثم عادو من حيث أتوا. ولكن بعد هذا الغزو بدأوا يتلاشون من مناطقهم شيئا شيئا وينصهرون في الشعوب المجاوره. وما ان حلت سنة (100) ميلادي لم يبقى لهم أثر يذكر.

وفي القرآن: "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" (الانبياء 96) -- ينسلون من "الحدب" وليس من البوابه. ولا يكون النسل الا بشكل فردي أو جماعات صغيرة، كأسرة تخرج من قبيلة مثلا. ولا يمكن ان تقول عن جيش جرار انه نسل، أو جمع غفير لا يعد ولا يحصى بأنهم نسلوا، هذا التعبير لا يركب ولا حتى باللغة العربية العوجاء المكسّرة. ولكن يمكن القول مثلا ان أفراد النادي تناسلوا واحد، واحد. أي واحد تلو الآخر، وليس جميعهم دفعة واحده. ويقال فلان من نسل فلان، أي من ذريته، والذرية كما هو معلوم لا تأتي دفعة واحده. القرآن نزل بلغة العرب. هذه لغتهم وهذه مصطلحاتهم. ولا يمكن ان نقرأ الاشياء على غير معناه الظاهر الواضح والمتداول الى يومنا الحاضر.

كان فتح البوابة سببا غير مباشرا في تفريغهم من موطنهم. "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض [ماج الموج أي دخل واختلط في بعض] ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا" (الكهف 99). وسوف يبقون منصهرين في شعوب العالم الى ان ينفخ في الصور وتقوم الساعة.

ألسيث والساراماش (يأجوج ومأجوج)

الذين أطلق عليهم القرآن اسم يأجوج ومأجوج، هم نفس القوم الذين كانوا يسميهم الاغريق السيث والسارماش (Scythians and Sarmatians). وكما ترى من العنوان انهم قبيلتين. اختلاف التسميات في الشعوب القديمة كانت من الاشياء العاديه. فمثلا الاغريق كانوا يسمون مصر إيجبتوس، بينما المصريين يسمونها مصر، والعرب يسمونها مصر، واليهود يسمونها مصريام. الآن إيجبتوس ليست ترجمة لمصر، وإنما هو من المحتمل ان يكون اسم إله أو شيئ مقدس.

هؤلاء الذين اسمهم السيث والسارماش (يأجوج ومأجوج) كانوا يقطنون أسيا الوسطى. وهم ليسوا نفس الشعوب التي تقطن أسيا الوسطى الآن.

عندما كانوا في أوج قوتهم، لم تسلم دولة من الدول المجاورة، والامبراطوريات الشرقية القديمه، من شرورهم. ولم تستطع دولة في التصدي لهم. ولكن عندما يغزون الدول الاخرى لم يكن قصدهم احتلال الارض، وإنما السلب والنهب والتخريب فقط (مفسدون في الارض)، ثم يعودون الى موطنهم.

الردم الذي صنعه ذو القرنين لم يكن هو العامل الوحيد الذي منعهم من غزو الدول المجاورة، فقد سبقه سور الصين العظيم، وبوابات الهند والسند، وحائط گورگان في فارس في ولاية هيركانيا، وهي نفس الولاية التي أغلق فيها الاسكندر الممر.

لم يكن الاسكندر يعلم ان ذلك الممر الذي اغلقه كان يمثل عنق الزجاجة بالنسبة للسيث والسارماش. لذا نجده يقول: "أجعل بينكم وبينهم ردما" -- كان يظن ان هذا الحاجز سوف يحمي هؤلاء الناس فقط، "بينكم وبينهم". ولكن يبدو انه كان المنفذ الاخير المتبقي لهم.

حتى ان القوم انفسهم لم يكونوا يعلمون بالنتيجة التي سيؤدي اليها اغلاق الممر، "فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا" -- "بيننا وبينهم"، هذا هو الهدف الذي ارادوا تحقيقه.

الان مسألة الوعد: "وكان وعد ربي حقا" -- هل الله وعده بشيئ؟

ولما لا -- يحتمل انه رأى رؤيا في المنام انه يشيد ذلك الردم، وأن ما يراه في المنام تعاليم من الله، ثم رأى في نفس الرؤيا سقوط الردم. بعد ذلك ذهب الى المكان، فوجده نفس المكان الذي رآه في المنام. فإذا تحقق جزء من الرؤيا، فلابد ان يتحقق الجزء الثاني. وهذا يعتبر وعد في نظر ذو القرنين.

هناك من يفسر الوعد الذي تحدث عنه ذو القرنين بأنه يوم القيامه!

أولا الاية تنقل ما قاله ذو القرنين. والحديث فيها عائد لذو القرنين. ذو القرنين هو من قال هذا وليس الله.

ثانيا اذا نظرنا الى تكملة الحدث في سورة الانبياء، نجد ان هذا الوعد الذي تحدث عنه ذو القرنين لا علاقة له بيوم القيامه.

سورة الانبياء:
(96) "حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم مّن كلّ حدب ينسلون"
(97) "واقترب الوعد الحقّ فإذا هي شاخصة أبصار الّذين كفروا..."

تبدأ الاية (97) بحرف الواو، وهو حرف عطف. وعلى هذا فإن الاية (97) تكملة للاية (96).

بما يعني: "حتى اذا فتحت... اقترب"

فإذا كان الوعد الذي تحدث عنه ذو القرنين هو وعد يوم القيامه، فلابد ان يكون "وقع" وليس "اقترب".

الان ليس لدينا سوى خيارين، إمّا انه وعد يوم القيامه، أو وعد فتح البوابه. وبما ان الاية من سورة الانبياء تنفي نفيا قاطعا ان يكون فتح البوابة مرتبط بالوعد الحق، فلم يبقى سوى الخيار الثاني.

ومسألة انه اقترب، لدينا أيضا "اقترب للناس حسابهم" و "اقتربت الساعة وانشق القمر" -- ومن الوقت الذي انشق فيه القمر في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والى اليوم لم تقم الساعه. وهي مسألة نسبية على أي حال. فإذا كان عمر الارض اربعة آلاف مليون سنه، بحسب النظريات الجيولوجيه، ولم يبقى منها سوى مليون أو مليونين سنه، فقد اقترب نسبيا.

نقطة مهمة: تقول الاية "فُتحتْ" مؤنث، وليس "فُتحَ". بما يعني ان هذا الردم الذي شيده ذو القرنين يقبل صيغة المؤنث. وسيجادل البعض ويقولون انه جماد يقبل الاثنين. ولكن لدينا آية أخرى تقول انه مكون من صدفين، "حتى اذا ساوى بين الصدفين" -- فهل هذا يعني شيئ غير بوابه؟

وطبعا لمّا ربك يخاطبك بالالغاز والتلميحات، يريدك ان تتحرك وتبحث. وبما انه اعطاك الاسباب (الوسائل)، فلابد من استخدامها، مثل ذو القرنين.

وردت احاديث منسوبة الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في البخاري ومسلم وغيره عن يأجوج ومأجوج وانهم لايزالون يحتجزهم سد ذو القرنين، وسوف يخرجون يوم القيامة دفعة واحدة يأكلون الاخضر واليابس، ويشربون الانهار حتى تجف!

"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها: حين يُنزّل القرآن تُبدَ لكم، عفا الله عنها" (المائده 101) -- بما يعني لا تسألوا عن أشياء لم يرد ذكرها في القرآن، عفا الله عنها، وربك اعطاك حق الاجتهاد فيها، ولكن إذا سألتم، فانتظروا الى ان ينزل القرآن. لا يوجد مصدر آخر يُكمل القرآن، لا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا غيره. ولو كان المصدر موجود، لأرشدك الله إليه بدلا من أن يأمرك بالانتظار. وبما ان القرآن اكتمل وتوقف بموت رسول الله، فأي شيئ لم يرد ذكره في القرآن فقد عفا الله عنه ومتروك للاجتهاد.

وما يضع علامة استفهام كبرى حول احاديث يأجوج ومأجوج هو ان الامام مالك لم يكتب منها حديث واحد، وهو أول من كتب الحديث، وهو إمام أهل المدينة، فكيف لم يسمع بشيئ عنهم وقد عاش في مدينة رسول الله طوال عمره وعرفه كل من في المدينة؟ الحديث عن يأجوج وماجوج ليس مجرد حديث عادي يمكن اهماله كاحاديث الفضائل أو الادعية، وإنما قضية يعتبرونها من صميم العقيدة وخروجهم علامة كبرى من علامات الساعة، وبعد هذا يمر مالك عليها مرور الكرام! التفسير المنطقي الوحيد هو ان اهل المدينة لم يسمعوا بها من آبائهم صحابة رسول الله، وما وصلنا من احاديث عنها تم تأليفه في أوقات متأخرة جدا.

وإذا صرفنا النظر عن ما ورد في الروايات التي تم تدوينها بعد موت رسول الله بعشرات السنين، نجد في القرآن انها فتحت قبل نزول القرآن.

عندما نقرأ الآية من سورة الانبياء نجدها تبدأ بعبارة "حتى إذا". هذا التعبير ورد في سورة الكهف ثمان مرات، وكلها تعبر عن مواقف بعد حدوثها:

18.71- فانطلقا ((حتى إذا)) ركبا في السفينة خرقها...

18.74- فانطلقا ((حتى إذا)) لقيا غلاما فقتله...

18.77- فانطلقا ((حتى إذا)) أتيا اهل قرية استطعما اهلها...

18.86- ((حتى إذا)) بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب...

18.90- ((حتى إذا)) بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع...

18.93- ((حتى إذا)) بلغ بين السدين وجد من دونهما...

18.96- اتوني زبر الحديد ((حتى إذا)) ساوى بين الصدفين قال انفخوا ((حتى إذا)) جعله نارا قال اتوني أفرغ عليه قطرا

والاية من سورة الانبياء جاءت بنفس الصيغة، "((حتى إذا)) فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" -- وهذه هي الاية الوحيدة في سورة الانبياء التي تبدأ بالعبارة "حتى إذا". وهذا يستوجب ربطها بالايات من سورة الكهف.

فإذا كانت عبارة "حتى إذا" في جميع الايات من سورة الكهف عبّرت عن احداث انتهت قبل نزول القرآن، والاية من سورة الانبياء جاءت بنفس الصيغة، "حتى اذا فتحت..." فمن الطبيعي أن نأخذ بالقياس، والقول ان البوابة فتحت "قبل" نزول هذه الاية من القرآن. ولم تأتي في نفس السورة، لأن الآيات في سورة الكهف كانت تصف أحداث حصلت في حياة ذو القرنين، وفتحها حصل بعد موته بزمن. بعبارة آخرى، جميع الأحداث التي وردت في قصة ذو القرنين انتهت "قبل" نزول القرآن، سواءا تلك التي ذكرتها سورة الكهف أو الآية من سورة الانبياء.

ربما يقول قائل، تشابه النص علينا! صحيح ان العبارة لم ترد ابدا في سورة الكهف لتحكي حدث مستقبلي، ولكن معناها الظاهر يحتمل الماضي والحاضر والمستقبل.

ان كان فعلا تشابه النص، فلابد من البحث وتقصي الحقيقه. اذهبوا وفتشوا عن قوم يحتجزهم سد، واقطعوا الشك باليقين. اتبعوا سببا (وسيلة توصل الى نتيجة)، مثل ذو القرنين، وانظروا اين الحقيقه، وأي الاحتمالين أصح. والمسألة ليست من امور الغيب التي لا يعلمها الا الله. يأجوج ومأجوج أناس مثلنا، وليسو جن وعفاريت أو مخلوقات فضائية. فإذا كانوا فعلا يحتجزهم سد فسوف تجدونهم!

ما لدينا هنا هو انهم اختفوا من موطنهم الاصلي ولم يبقى لهم وجود. ربما يتطور علم الجينات في المستقبل ويتمكن العلم من معرفة جذور الناس واصلهم وفصلهم، والى ذلك الحين فليس أمامنا سوى التاريخ.

الشاهد الاول هو المؤرخ اليهودي يوسيفوس، وهو مؤرخ من القرن الاول الميلادي. وجاء فيما كتب ان ماجوج أسـس هؤلاء الذين يحملون اسمه، ويُدعون الماجوجيين، وانهم نفس القوم الذين يسميهم الاغريق السيث. هذه المعلومة بحد ذاتها تكفي، لأنه عاش في زمن كانوا فيه موجودين، وهو ليس له أدنى مصلحة في تلفيق معلومة تافهة مثل هذه. والسبب في كونها معلومة لا قيمة لها بالنسبة له، هو انه لم يذكرها سوى بكلمتين في كتابه، ومر عليها مرور الكرام. ولو كانت لها أهمية لكان قد ركز عليها. أمّا في زمننا هذا فهي معلومة لا تقدر بثمن.

وطبعا نحن لا نبحث عن مجرد معلومات، وإنما عن معلومات أتت من شخص عاصرهم، وعاش في الزمن الذي كانوا فيه موجودين. كلمتين تأتي ممن عاصر الحدث، أفضل من كتاب يكتبه شاهد مشفش حاجه.

الشاهد الثاني هو النبي حزقيال -- صحيح ان نبؤاته كلها لم يتحقق منها شيئ على الاطلاق، إلا انه عاصرهم. فهو مثلا عاصر الملك البابلي نبوخذنصر وكتب عنه. جميع نبؤاته في نبوخذنصر باءت بالفشل الذريع، ولكن نبوخذنصر كشخصية وقائد تاريخي كان موجود. وإذا استثنينا النبؤات وعلم الغيب، نجد ان حزقيال ذكر من تاريخ نبوخذنصر معلومات صحيحه، وهي معلومات عامة يعرفها حزقيال وغيره. نفس المنطق يسري على يأجوج ومأجوج. قال فيهم نبؤات لم يصدق منها شيئ، ولكن وصفه للقوم صحيح. ومن وصفه لهم: يسكنون في أقاصي شمال اسرائيل (أسيا الوسطى). يقاتلون على الخيول، ويستخدمون السهام، ولا يغزون الا للسلب والنهب والتخريب. هذه المواصفات هي نفس المواصفات التي يعطيها الاغريق الى السيث والسارماش. في نبؤاته هذه تحدث عن جوج كقوة ضاربة في المنطقة، وليس عن ماجوج الذين كتب عنهم يوسيفوس على انهم السيث، وهذه نقطة مهمة كما سنرى بالتفصيل لاحقا.

 

5) السيث والسارماش في تاريخ يوسيفوس

يوسيفوس مؤرخ يهودي معتبر، من مؤرخي القرن الاول الميلادي، أرخ لليهود والرومان، عاشر الاغريق وعرف ثقافتهم وكتب بلغتهم. اسمه يوسف، والاغريق يضيفون حرف السين في آخر الاسم، فأصبح اسمه يوسيفوس. إذا ما استندنا الى تاريخه، فإننا نستند الى مرجع موثوق، على الاقل في الاحداث التي عاصرها بنفسه، وكتب عنها من وجهة نظر طرف محايد. فمثلا اذا كتب عن اليهود، فهو منهم، والاحتمال وارد ان ينحاز لصالحهم. ولكن في الموضوع الذي بين أيدينا فهو يعتبر محايد. بالاضافة الى انه عاصر الحدث، ولا يرويه عن اجداده. والاهم من ذلك كله انه ليس لدينا البديل سوى الخرافات والخزعبلات.

كتب المؤرخ عن آخر معارك السيث (قوم مأجوج)، وقال عن معركتهم الاخيرة انهم خرجوا من بوابات حديد صنعها الاسكندر المقدوني. الفترة الزمنية بين الاسكندر والمعركة التي ذكرها يوسيفوس، تقريبا (400) سنه. وطبعا لا يمكن لبوابة حديد ان تبقى كل هذه الفترة الزمنية من غير ان تصدأ وتتآكل. وفي القرآن: "آتوني زبر الحديد... أفرغ عليه قطرا" بما يعني ان تلك البوابة لم تكن من الحديد فقط ، وإنما حديد مطلي بالقطر (قيل انه النحاس). ولهذا السبب قاومت عوامل الصدأ. وبما انها قاومت الصدأ لمدة (400) سنه، فلما لا تقاومه الى الابد؟ بما يعني انه يمكن العثور عليها الان. وفي القرآن: "حتى اذا جاء وعد ربي جعله دكاء" أي مستويا بالاض. فهي إذن ملقاة على الارض وتغطيها الشوائب.

يقول المؤرخ: "الان هناك أمة تدعى آلانس (Alans)، وقد سبق وكتبنا عنهم في مكان آخر انهم السييث (Scythians)، ويسكنون حول بحيرة ميوتس. هذه الامة وضعت خطة للانقضاض على ميديا، ومناطق بعدها لكي ينهبوها، وبهذه النية تعاملوا مع ملك هيركانيا، لأنه كان هو المسؤول عن الممر الذي أغلقه الملك ((الاسكندر)) ببوابات حديد. ملك هيركانيا فسح لهم الطريق ليأتوا من خلاله، فدخلوا بأعداد كبيرة، وانقضوا على ميديا بطريقة غير متوقعة، ونهبوا البلد، وقد كانت مليئة بالسكان، فأخذوا أعدادا كبيرة من الماشية، ولم يتجرأ أحد على مقاومتهم. أمّا بالنسبة لـ (بيروس)، ملك البلد، فقد هرب من الذعر الى أماكن ليس من السهل لهم ان يتبعوه اليها، وترك لهم كل شيئ، ولم يأخذ منهم الا زوجته وجواريه، وكان ذلك بصعوبة بالغة، بعد ان وقعوا في الاسر، ففداهم بمائة تالينت [التالينت عملة اغريقية تزن الواحدة منها 26 كيلوجرام من الفضه]. هؤلاء الـ (آلانس) نهبوا البلد دون اي اعتراض، وبسهولة عظيمة، ثم توجهوا الى ارمينا، مخربين كل شيئ أمامهم. الان تايرايديتس ملك البلد، قابلهم وقاتلهم، وكاد ان يقع اسيرا في المعركة، لأن احد المقاتلين ألقى عليه شبك من مسافة بعيدة، وحاول ان يسحبه بسرعة نحوه، ولكن الملك قطع الشبك بسيفه وهرب، فنجا من الاسر. الآلانس أثارهم هذا الاستفزاز، فخربوا البلد، وأخذوا معهم أعداد غفيرة من البشر، وكميات كبيرة من الغنائم، من كلا المملكتين [ارمينيا وميديا]، ثم انسحبوا الى بلدهم."
(يوسيفوس، حروب اليهود، الجزء السابع، باب 7.4).

"Now there was a nation of the Alans, which we have formerly mentioned some where as being Scythians and inhabiting at the lake Meotis. This nation about this time laid a design of falling upon Media, and the parts beyond it, in order to plunder them; with which intention they treated with the king of Hyrcania; for he was master of that passage which king Alexander shut up with iron gates. This king gave them leave to come through them; so they came in great multitudes, and fell upon the Medes unexpectedly, and plundered their country, which they found full of people, and replenished with abundance of cattle, while nobody durst make any resistance against them; for Paeorus, the king of the country, had fled away for fear into places where they could not easily come at him, and had yielded up every thing he had to them, and had only saved his wife and his concubines from them, and that with difficulty also, after they had been made captives, by giving them a hundred talents for their ransom. These Alans therefore plundered the country without opposition, and with great ease, and proceeded as far as Armenia, laying all waste before them. Now Tiridates was king of that country, who met them, and fought them, but had like to have been taken alive in the battle; for a certain man threw a net over him from a great distance, and had soon drawn him to him, unless he had immediately cut the cord with his sword, and ran away, and prevented it. So the Alans, being still more provoked by this sight, laid waste the country, and drove a great multitude of the men, and a great quantity of the other prey they had gotten out of both kingdoms, along with them, and then retreated back to their own country."
(Josephus, War of the Jews, Vol.7,Ch.7.4)

اشار المؤرخ الى ان الاسكندر المقدوني قد اغلق ممر ببوابات حديد. وكان ملك هيركانيا مسؤولا عن هذا الممر. وقال في بداية الفقرة ان قوم الـ (آلانس) قد كتب عنهم في مكان آخر انهم السيث (Scythians)، وهذا ما كتب: "ماجوج أسس هؤلاء الذين أخذوا اسمه ويُطلق عليهم الماجوجيين، ولكن الاغريق يسمونهم السيث" (يوسيفوس، آثار اليهود، الجزء الاول، باب 6).

"Magog founded those that from him were named Magogites, but who are by the Greeks called Scythians." (Josephus, Antiquities of the Jews, Vol.1, Ch.6)

يوسيفوس كاتب ومحقق تاريخ. وصله خبر عن قوم اسمهم الآلانس (Alans)، وبتحقيقه في اللقب والخبر، قال انهم نفس القوم الذين ذكرهم في مكان آخر بإسم السيث. وفي المكان الاخر، قال ان الذين يسميهم الاغريق السيث، لهم أيضا لقب آخر بإسم الماجوجيين، نسبة الى مؤسسهم ماجوج الذي حملوا اسمه. ما نجد هنا هو ان القوم هم انفسهم، والامم الاخرى تطلق عليهم اسماء وألقاب مختلفة، فمنهم من يسميهم الآلانس، والاغريق يسمونهم السيث، واليهود يسمونهم قوم ماجوج.

من الملاحظ في خبر يوسيفوس ان هؤلاء القوم لا يغزون بقصد احتلال الارض وفرض السيطرة والقانون عليها، ولا لأي سبب سياسي أو استراتيجي، وإنما بقصد استباحة المدن من أجل السلب والنهب والتخريب، حيث قال: "ثم توجهوا الى ارمينا مخربين كل شيئ أمامهم". وعندما حاول ملك أرمينيا مقاومتهم، اعتبروا تصرفه نوع من الاستفزاز، فقاموا بتخريب البلد! ثم بعد ذلك عادوا من حيث أتوا. فإذا لم يكن ما يفعله هؤلاء هو إفساد في الارض، فماذا اذن يمكن تسميته؟ "إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض" (الكهف 94).

بإتفاق جميع الذين أرخوا للاسكندر المقدوني، عسكر الاسكندر في هيركانيا لمدة اسبوعين. ثم عاد لها مرة أخرى بعد عبور صحراء بلوشستان، وتكبد في هذا العبور خسائر بشرية فادحة بسبب نقص الماء والطعام.

"After spending two weeks of summer in Hyrcania, Alexander moved eastward to the northern side of Areia."
History of the Macedonian People from Ancient times to the Present Part 7 - Alexander III - Lord of Asia by Risto Stefov
http://www.maknews.com/...

وبما اننا نتحدث عن بوابة، فهذه يمكن تركيبها في أيام معدودة. ويُفهم من الايات في القرآن انه طلب من أهل البلد ان يقوموا بجمع المواد الاولية من حديد ونحاس. وهو وضع تصميم البوابة وأشرف على بنائها.

كما يُفهم أيضا من القرآن انه هو بنفسه شارك في تصنيعها، ولم يُرسل من ينوب عنه، "آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا" -- يبدو ان الاسكندر مع عدد قليل من الحرس الشخصي ذهبوا الى ذلك الموقع وشيدوا البوابة بمساعدة أهل البلدة بعد ان جمعوا له ما طلب من مواد البناء. فمثلا اتاهم اليوم، وبعد ان دار بينهم حديث ونقاش، اتفق معهم ان يجمعوا له الحديد والنحاس. ثم جاء بعد عدة أيام وقام بتركيبها معهم.

وعلى هذا فإن بناء البوابة لم يكن ذلك الحدث العظيم الذي يعم خبره أنحاء الولاية ومعسكرات الجيش ليتناقله الرواة والمؤرخين. لذا فليس من المستغرب أن لا يكتب عنها احد من الاغريق الذين كتبوا تاريخ الاسكندر. ولو لم تحدث معركة بعد فتح البوابة، لما ورد لها ذكر أيضا في تاريخ يوسيفوس.

Script:DoSizeImage idScythiaMap

خارطة تقريبية للمناطق التي استقر فيها السيث، بحسب ما جاء من كتابات عنهم في الثقافة الاغريقية.

هذه الدولة التي كانت تسمى هيركانيا (Hyrcania) تطل مباشرة على بحر قزوين (Caspian Sea)، وهو البحر المغلق على الخارطه في الشكل المقابل. كانت هيركانيا جزء من بارثيا، البقعة الحمراء على الخارطه، وهي فارس القديمه. وفي فترة خضوعها لمملكة فارس، بنى الفرس فيها حائط مسافته 180 كيلومتر، يعد الثاني من حيث المسافة بعد سور الصين العظيم، لحمايتها من السيث، مع تركهم بعض المنافذ المسيطر عليها لتسهيل حركة المرور والتجارة.  أعاد الاغريق ترميم هذا الحائط في فترة لاحقة وأطلقوا عليه حائط الاسكندر تخليدا لذكراه. وبعد أن تلاشى قوم يأجوج ومأجوج من تلك المناطق، قام السكان وأخذوا حجارة الحائط للاستفادة منها في بناء منازل لهم.

كانت مساحة هيركانيا في السابق تشمل تقريبا المحافظات الايرانية التالية: گلستان، مازندران، گیلان، بالاضافة الى جزء من تركمانيستان (Golestan, Mazandaran, Gilan and part of Turkmenistan).
http://en.wikipedia.org/wiki/Hyrcania

استوطن السيث (Scythians) مملكة سايثيا (Scythia)، البقعة البرتقالية على الخارطه، وهي اسيا الوسطى، من القرن الثامن قبل الميلاد الى القرن الثاني الميلادي.

"The Scythians inhabited Scythia from the 8th century BC to the 2nd century AD."
http://en.wikipedia.org/wiki/Scythia

وفي القرن الثاني الميلادي انقرضوا ولم  يُعثر لهم على اثر، ولم يَكتب عن اختفائهم أحد من المؤرخين القدماء.

ونجد على الخارطة أعلاه أسم آخر، سارماشيا (Sarmatia)، وهذه دولة أخرى من وجهة نظر الاغريق. وفي الكتابات الحديثة عادة ما يقترن قوم سايثيا بقوم سارماشيا (Scythians and Sarmatians). وكما ترون من العنوان انهم قبيلتين (سايثيا وسارماشيا)، على وزن يأجوج ومأجوج! وفي عدم وجود أي تاريخ مكتوب عنهم، فإن ما يكتب عنهم الان مبني على بعض الرسوم والكتابات الاغريقية القليلة. بالاضافة الى بعض الاكتشافات الاثرية الحديثة. ولا يوجد عنهم تاريخ بالمعنى المعروف عن التاريخ.. الان عندما نقول انه لايوجد عن تاريخهم سوى بعض الرسوم والكتابات القليلة، لا يعني ذلك ان هذه الاشياء غير معتبره، بالعكس، المؤرخين المعاصرين يعتمدون نقش على حجر صغير يعود تاريخه الى زمن الحدث، ويتجاهلون كتب تعود الى أوقات متأخرة. صحيح ان الآثار القليلة لن تعطيك صورة كاملة عن الاحداث، ولكن ما تتضمنه من معلومات وعلى قلتها صحيحة.

الاقتباس التالي فيه لمحة "تقريبية" موجزة عن أولئك القوم:

إقباس: "السيث والسارماش -- هذين الشعبين من العصور القديمة، كلاهما كانوا يتكلمون لغات مستمدة من اللغة الفارسيه، وعاشوا في منطقة تقع على شمال البحر الاسود. لغات وثقافات السيث والسارماش كانت قريبة ولكنها مختلفة. وأيضا اسلوبهم في الحروب كانت مختلفه. لوحظ ان السيث كانوا يعتمدون على الرماة. ربما كانوا المخترعين أو على الاقل أحد المخترعين لأداة تثبيت قدم الخيال على الحصان (stirrup)، مما مكنهم من رمي السهام من على الحصان بدقة لا بأس بها والحصان يجري. تميز السيث في بداية الهجوم بإطلاق كمية هائلة من السهام على أعدائهم. فإذا تمكن أعدائهم من الصمود، يقوم السيث بالانسحاب، لاعادة تجميع جنودهم، ثم يعودون مرة أخرى بهجوم شامل بالسهام أيضا، مع تغيير الخطة. أغلب الاعداء لا يستطيعون الصمود أمام هجوم السيث. كان جيرانهم السارماش هم الوحيدين الذين ابتكروا استراتيجية ناجحة للتصدي لهجوم السيث. الجنود السارماش كانت اجسادهم محمية بدروع معدنية. كان الدرع عادة يصنع من قطع البرونز أو حديد مشبوك بالجلد. هذه الدروع مكنت السارماش من التصدي لهجوم السيث."

"The Scythians and Sarmatians -- These two peoples of ancient times both spoke languages in the Iranian language family and lived in the area north of the Black Sea. The languages and cultures of the Scythians and Sarmatians were related but distinct. In particular their styles of warfare were different. The Scythians were noted as mounted archers. They may have been the inventors or one of the inventors of the stirrup. The stirrup enabled mounted archers to fire (shoot) arrows reasonably accurately while riding. The Scythians attacked in a mass firing of arrows. If their adversaries were not overwhelmed by the hail of arrows then the Scythians turned and rode to a safe distance for regrouping to mount another mass attack. Most adversaries were overwhelmed by the Scythian battle tactics. It was only the Sarmatians who found a successful counter-strategy to withstand the Scythians. The Sarmatian warriors and their mounts were protected with armor. Usually the armor consisted of metal plates of bronze or iron sewn onto leather garments. This armor enabled the Sarmatians to withstand a Scythian attack. After a Scythian onslaught the Sarmatians would attack the Scythians with fifteen-foot-long lances."
http://www.sjsu.edu/...

يوجد كتاب بعنوان "السيث بين سنة 700 - 300 قبل الميلاد" (The Scythians 700-300 BC)، مؤلفه باحث روسي يدعى سيرنيكو (E.V. Cernenko). والكتاب مترجم الى الانجليزية. تحدث المؤلف بقدر ما توفر له من مصادر ومكتشفات عن قوة السيث في تلك الفترة. وأنهم تمكنوا من هزيمة امبراطوريات عظيمة في اسيا والشرق الاوسط. منها امبراطورية فارس في عهد كورش مؤسس الامبراطورية الفارسية، والامبراطورية البابلية، وقبلها الاشورية، ولم تسلم من شرهم سوى مصر، وما كان ذلك ليحدث الا بعد أن أجبروا المصريين على دفع الجزية.

كان المصريون يكتبون التاريخ، ولكن مثل بقية الشعوب القديمه، أي هزيمة تتعرض لها بلدهم لا يكتبونها.

الملاحظ ، ومن عنوان الكتاب، ان سطوتهم على شعوب الارض توقفت عند سنة 300 قبل الميلاد. وهذا هو الزمن الذي جاء فيه الاسكندر المقدوني! بما يعني ان هناك شيئ غير طبيعي قد حدث منعهم من غزو الشعوب الاخرى. ولم تعد لهم غزوات على أمم الارض إلا في الخبر الذي أورده يوسيفوس. وما كان ذلك ليحدث إلا بعد فتح بوابة الاسكندر!

وقد رأينا في فقرة سابقة ان ذو القرنين لم يكن يعلم بالنتيجة التي سيؤدي اليها بناء الردم. وما كان الهدف من بناءه سوى حماية الناس الذين طلبوا منه بناء السد، وقال : "أجعل بينكم وبينهم ردما" -- كان يظن ان هذا الحاجز سوف يحمي هؤلاء القوم فقط ، "بينكم وبينهم"، ولكن يبدو انه كان المنفذ الاخير المتبقي لهم. وطبعا ليس من الضروري ان يعلم ذو القرنين بكافة الممرات والمداخل في تلك الجبال الوعرة.

صورة تخيلية لملكة السيث (قوم مأجوج) وهي تمسك برأس الملك كورش في وعاء الدم.

الملك كورش (Cyrus) مؤسس مملكة فارس دارت بينه وبين السيث عدة معارك خسرها كلها. قام الملك وبعث هدية الى ملكة السيث وطلب الزواج منها، بحسب ما كتب هيرودوت، وكان اسمها توميري (Tomyris). رفضت الملكة عرض الزواج والهدية، وطلبت منه الحرب. ذهب كورش بجيش عظيم الى ارض المعركة. ولكن السيث فاجأوهم بخطة غير متوقعه. نزلوا لهم فجأة من على الجبال وقاموا بتقطيع الجيش الفارسي الى وحدات صغيرة. فهرب منهم من استطاع الهرب، وسقط الباقون بين قتيل واسير. كورش وقع في الاسر، ولكنه تمكن من الافلات ثم قتل نفسه. فقطع السيث رأسه وأحضروه في وعاء مملوء بالدم الى ملكتهم -- هذا ملخص ما كتبه هيرودوت والله اعلم بحقيقته. ولكن المعلومة التي لا جدال فيها هي انه قتل في معركة مع السيث. والضريح الموجود حاليا في ايران لا توجد في داخله جثة كورش، وإنما هو ضريح رمزي فقط.

ها نحن قد رأينا لمحة سريعة عن جبروت أولئك القوم وسطوتهم على شعوب الارض. السبب الذي مكنهم من الانتصار في معاركهم هو استراتيجيتهم الحربية، وليس العدد، وأيضا: القرآن لم يتحدث عن أعداد هائله!

 

6) جوج وماجوج في أوهام النبي حزقيال وأحلام الرسول يوحنا

وبناءا على القوة المفرطة التي كان يتمتع بها أولئك القوم، قام النبي حزقيال واخترع لهم نبؤات، وانهم سيأتون لمهاجمة اسرائيل للسلب والنهب. حزقيال خصص بابين في كتابه عن جوج وماجوج (باب: 38 و 39). حزقيال عاش في زمن كانوا فيه موجودين، وهو يسمع عنهم وعن حروبهم، ويعرف انهم مختصين في السلب والنهب، فإذا قال بأنهم سيأتون للسب والنهب، فإنه لم يأتي بمعلومة جديدة.

تجد الان في كتابات بعض المسلمين عن يأجوج ومأجوج انهم يستشهدون بنبؤات حزقيال. وأنهم سيخرجون آخر الزمان بدليل ما كتب حزقيال.

ولكن: هل ستصدق نبؤاته؟

في أيام حياته تنبأ حزقيال النبي أن نبوخذنصر سوف يحتل مدينة صور اللبنانية وجمهورية مصر. وكلا النبؤتين فشلتا فشلا ذريعا.

في الباب السادس والعشرين من كتابه المسمى سفر حزقيال تنبأ بكارثة تحل بمدينة صور على يد الملك البابلي نبوخذنصر (حزقيال 26: 7). ويصف هذه الكارثة وكأن قنبلة هيروشيما تسقط على المدينه. ويقول بان السيد الرب سيبعث بملك الملوك نبوخذنصر ليدمر مدينة صور ويجعل عاليها سافلها. يستبيح نسائها ويقتل رجالها واطفالها. يسلب كنوزها ويدمر اسوارها، ولن يبقي لها حجر على حجر.

ولكن الذي حدث على أرض الواقع غير ذلك تماما. فالتاريخ يشهد بأن مدينة صور استطاعت الصمود أمام الجيش البابلي، ولمدة 13 سنة. ولم يتمكن نبوخذنصر من احتلال المدينه. كل ما استطاع الاستيلاء عليه هو الجزء الساحلي من صور، وليس له أهمية تذكر، ويسمى هذا الجزء بصور القديمه. أما الجزء الواقع في الجزيره، وهو الجزء الجديد، وقلب المدينه، ومركز التجاره، فقد قاوم الغزو البابلي ولم يتمكن نبوخذنصر من احتلاله، مما جعله يصرف النظر عن احتلال صور، ويعود من حيث أتى.

بعد ان ادرك النبي حزقيال فشل نبؤته، حاول التخفيف من لهجة التهديد والوعيد التي اطلقها على صور. وبدأ في الباب السابع والعشرين والثامن والعشرين من كتابه يستخدم لهجة أقل حدة. وبتذكير سكان صور وملكها بما انعم الله عليهم من كنوز وأموال. وان يتوبوا الى الله فهم ليس الا بشرا من خلقه. وفي الباب التاسع والعشرين من كتابه، يقدم النبي حزقيال اعترافا صريحا بفشل نبؤته في صور، ويقول ان الله اخبره ان نبوخذنصر حاول بقدر ما استطاع ان يحتل صور، وقاتل جنوده في شدة الحر والبرد. ومع ذلك عاد من حيث أتى، دون تحقيق أي مكسب (حزقيال 29: 18).

ونجد في احد أهم قواميس الكتاب المقدس (Easton Bible Dictionary) ما يلي: "تتألف مدينة صور من جزئين منفصلين، قلعة صخرية على البر، وتسمى «صور القديمة»، والمدينة، وقد بنيت على جزيرة صخرية صغيرة تبعد حوالي نصف ميل من الشاطئ. كانت مكانا ذو قوة عظيمة. حاصرها شلمنصر، وساعده الفينيقيين سكان الشاطئ، ولمدة خمس سنوات. ثم بعد ذلك نبوخذنصر لمدة ثلاثة عشر سنة، وعلى ما يبدو من غير تحقيق أي نجاح."

Easton Bible Dictionary
Tyre consisted of two distinct parts, a rocky fortress on the mainland, called "Old Tyre," and the city, built on a small, rocky island about half-a-mile distant from the shore. It was a place of great strength. It was besieged by Shalmaneser, who was assisted by the Phoenicians of the mainland, for five years, and by Nebuchadnezzar (B.C. 586-573) for thirteen years, apparently without success.
http://www.ccel.org/...

الاقتباس اعلاه من قاموس الكتاب المقدس. وشهد شاهد من أهلها. وكل ما تنبأ به النبي حزقيال لم يتحقق منه شيئ أبدا.

وبعد صور، تنبأ حزقيال في مصر. وكل ما تنبأ به في شأن صور أحاله لمصر، ولكن بعبارة مختلفة ومختصرة بعض الشيئ. فقد قال ان نبوخذنصر سيعمل في مصر العمايل التي لم تخطر على قلب بشر. سيدمرها شر تدمير، ويسوم أهلها سوء العذاب، وسيجعل المصريين أحقر شعب على وجه الارض، وشرذمة قليلة بين البشر -- ومرة أخرى لم يتحقق من نبؤة النبي حزقيال شيئ، ويعود نبوخذنصر من حيث أتى بعد فشله في احتلال مصر. ليس فقط انه فشل في احتلالها، بل انه عندما تعرّض البابليين للغزو الفارسي، قامت مصر بمساعدة البابليين في التصدي لهجوم فارس!

وقال في مصر: "لا تمرّ فيها رجل إنسان، ولا تمرّ فيها رجل بهيمة، ولا تسكن أربعين سنة. وأجعل أرض مصر مقفرة في وسط الأراضي المقفرة، ومدنها في وسط المدن الخربة تكون مقفرة أربعين سنة. وأشتّت المصريّين بين الأمم وأبدّدهم في الأراضي" (29: 11 - 12). وطبعا لم يحدث أي شيئ من ذلك. ولم تصبح ارض مصر مقفره لاتمر فيها رجل انسان و رجل بهيمة، أرض مهجورة أربعين سنة!

الذي جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماما: "أول هزيمة حقيقية تلقاها [نبوخذنصر] كانت على يد الجيش المصري. هذه الهزيمة أضعفته سياسيا مما جعل العديد من ولاياته تنشق عن مملكته".

LookLex Encyclopedia
"600: He gets his first serious military defeat when fighting an Egyptian army. This defeat also weakened him politically, and many of his vassal states defected."
http://looklex.com/...

نبؤات حزقيال النبي التي قالها في احداث اثناء حياته لم تصدق، فهل ستصدق تلك التي توهم انها ستحدث بعد مماته؟

واضح من تنبؤاته انه يرى احداث ثم يبني عليها توقعات. فمثلا صور مدينة صغيرة جدا وعدد سكانها قليل، فلم يتوقع انها ستصمد أمام جيش جرار، فقال فيها ما قال، فخابت كل توقعاته. أمّا عن توقعاته في مصر، فيبدو ان العاطفة غلبته، فتمنى لها الاماني، ثم تبين ان أمنياته لم تكن سوى أضغاث أحلام!

الان تجد في بعض الكتابات المسيحية انهم يقولون ان نبوخذنصر احتل مصر. هذا الكلام لا يستند الى تاريخ وإنما على نبؤة حزقيال فقط. الاغريق كانوا يسجلون التاريخ، ولو حدث شيئ من هذا الاحتلال المزعوم لكانوا قد كتبوا عنه، ولكن ما كتبوه هو العكس. وهذه الاقتباسات التي رأيناها مصادرها الاصلية اغريقية. أضف الى ذلك ان حزقيال لم يتحدث عن مجرد احتلال عادي، وإنما عن هلاك وتشريد الشعبي المصري كله: "لا تمرّ فيها رجل إنسان، ولا تمرّ فيها رجل بهيمة، ولا تسكن أربعين سنة." هذا الشيئ لم يحدث ولا حتى في الاحلام.

وبعد ان مات حزقيال ولم يتحقق من "نبؤاته" شيئ، جاء يوحنا مؤلف كتاب الرؤيا وألف هو الاخر نبؤات، فيقول: "ثمّ متى تمّت الألف سنة يحل الشّيطان من سجنه، ويخرج ليضلّ الأمم الّذين في أربع زوايا الأرض: جوج وماجوج، ليجمعهم للحرب، الّذين عددهم مثل رمل البحر" (رؤيا 20: 7 - 8). بما يعني ان الشيطان الى الان لا يزال في السجن، ولم يضل الامم بعد! ولكن بعد ان يخرج من سجنه، فسوف يجمع جوج وماجوج ويضل الامم الذي هم في اربع زوايا الارض.

وكما ترى في النص، الكاتب يتحث عن ارض لها "اربع" زوايا! وللتأكيد ان هذا هو بالفعل ما يقصده، فقد كتب نصا آخر يقول فيه: "وبعد هذا رأيت أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض، ممسكين أربع رياح الأرض لكي لا تهبّ ريح على الأرض ولا على البحر ولا على شجرة ما" (رؤيا 7: 1).

شخص يتحدث عن ارض لها أربع زوايا، ارض مربعة، مثل الطاولة، فهل ستصدق له نبؤة؟

وبدأ فصل جديد... وانتقلت العدوى للمسلمين، وجاء منهم من يُكمل ما بدأه حزقيال، ويزايد على أحلام يوحنا. ونسبوا الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بعد ان انتقل الى رحمة ربه، أقوالا هو منها بريئ. فأضلوا المسلمين بتلك الاحاديث ضلالا بعيدا.

المعلومة الشائعة بين المسلمين ان يأجوج مأجوج حشود هائلة من البشر، لا تأتي على ارض الا وأكلت الاخضر واليابس. ويَفترض بعض المسلمين انهم الصينيين!

جوج وماجوج أناس عمالقة في الرسومات المسيحية. وسيخرجون في آخر الزمن من زوايا الارض الاربع.

لا يوجد في القرآن ما يدل على ان اعدادهم هائله. وقد رأينا انهم كانوا ينتصرون على خصومهم بسبب استراتيجيتهم الحربية، وليس بالعدد. فمن أين يا ترى جاء المسلمون بفكرة ان يأجوج ومأجوج اعداد هائلة جدا لا تعد ولا تحصى؟  أنظر الى ما يقوله صاحب زوايا الارض الاربع في الاقتباس اعلاه: "عددهم مثل رمل البحر!"

ومع كل الاوهام التي كتبها حزقيال، فإن فيها فائدة واحده، وهي التأكيد على ان جوج وماجوج هم السيث والسارماش. حزقيال النبي عاش في القرن السادس قبل الميلاد. ورأينا فيما سبق ان السيث والسارماش استوطنوا اسيا الوسطى من القرن الثامن قبل الميلاد الى القرن الثاني الميلادي. وبناءا على هذا يمكن التعامل مع حزقيال على اساس انه مؤرخ عاصر الحدث، ولكن ليس بالطريقة التي يتم فيها التعامل مع كتابات المؤرخين، وإنما بإستنباط الاخبار من أقواله.

"يا ابن آدم، اجعل وجهك على «جوج» «أرض ماجوج»... وتنبّأ عليه" (حزقيال 38: 2) -- نجد هنا ان حزقيال ينسب الارض لماجوج، والحكومة لجوج (يأجوج). اجعل وجهك على «جوج» القائم على «أرض ماجوج» وتنبأ عليه (على جوج). ورأينا فيما سبق انه كانت حروب بين السيث والسارماش. المؤرخ يوسيفوس يهودي، ويعرف ما كتب حزقيال، ولكنه لم يتحدث عن جوج، وإنما عن ماجوج. وعلى هذا نستنتج ان «ارض ماجوج» ليست اسم الارض كأرض، وإنما نسبة للقوم الذين يسكنونها. و أيضا رأينا فيما سبق ان الوحيدين الذين كان بمقدورهم التصدي لهجوم السيث هم جيرانهم السارماش. وبما ان السيث هم قوم ماجوج، فلم يبقى أمنا من خيار في تصنيف يأجوج سوى السارماش.

يبدو انه في الزمن الذي عاش فيه حزقيال كان قوم جوج (يأجوج) هم القوة الضاربة، فتنبأ حزقيال لهم. ولكن في زمن يوسيفوس انقلب الحال واصبج الماجوجيين هم المسيطرين على الارض.

القرآن صنف الاثنين، يأجوج ومأجوج، كمفسيدين في الارض. ولا فرق بينهما في السلب والنهب والتخريب. وبما انه كانت تدور بينهما حروب، فبالتأكيد تأثروا ببعض، ونسخ بعضهم من بعض أساليب القتال. وما سبق وقرأناه في اقتباس سابق عن ان اساليبهم القتالية تختلف هو مجرد تحليل وليس بالضروري ان يصح كل ما جاء فيه.

عملة معدنية كان يستخدمها السيث (الماجوجيين)
ولنقرأ الان بعض ما كتبه حزقيال عن جوج: "وأَضربُ قوسك من يدك اليسرى وأُسقط سهامك من يدك اليمنى" (حزقيال 39: 3). أي أن الله سوف يضرب قوس جوج ويُسقط سهامهم. وما كان حزقيال ليتحدث عن الاقواس والسهام إلا لأنها قوتهم الرئيسية. وهي نفس القوة التي يعطيها الاغريق للسيث. "و تأتي من موضعك من اقاصي الشمال انت و شعوب كثيرون معك كلهم راكبون خيلا" (38: 15). وهنا يحدد حزقيال ان المهاجمين من قوم جوج وحلفائهم سيأتون "كلهم" راكبون خيول. وأيضا رأينا في فقرة سابقة انهم دائما يحاربون على الخيول، واخترعوا آلة لتثبيت رجل الخيال، وليس لديهم كتائب مشاة، لذا يقول انهم سيأتون "كلهم" على خيول -- وكما ترى فإن الرجل كان ينظر لإمكانيات القوم من منظور ذلك الزمن، وكأن الزمن سيبقى على حاله كما عرفه حزقيال.

نبؤات حزقيال في الحقيقة لم تكن سوى اخبار من الماضي اتت بصيغة المستقبل.

وقد سبق ورأينا أن الماجوجيين لا يغزون بقصد احتلال الارض، وإنما بقصد السلب والنهب، لذا يقول حزقيال: "شبا وددان وتجار ترشيش وكل أشبالها يسألونك: هل لسلب سلب أنت جاءٍ؟ هل لغنم غنيمة جمعت جماعتك، لحمل الفضّة والذهب، لأخذ الماشية والقنية [البضائع]، لنهب نهب عظيم؟" (حزقيال 38: 13). شبا هي مملكة سبأ التي كانت في اليمن. اليهود لاينطقون حرف السين، لذا كتبها شبا. مملكة سبأ انقرضت في القرن الاول الميلادي وخلفتها مملكة حمير. ددن وترشيش (ترسوس) كانتا أيضا من تلك الممالك المنقرضه. ثم يتحدث عن سلب ونهب وجمع غنائم وماشية، وقل للزمان ارجع يا زمان!

ما نراه في النص اعلاه ان حزقيال ذكر اسماء ممالك وبلدان كانت موجودة. وعليه لابد من القول ان جوج أيضا كان موجود. وكل هذه الشعوب كانوا يعرفونه: "شبا وددان وتجار ترشيش وكل أشبالها يسألونك."

وبما أن حزقيال كان يخاطب قومه الذين هم في عصره، فلا بد من القول أيضا إنهم يعرفون عمّن يتحدث، ومن هم جوج وماجوج. هذه النبؤة ذكرت صفاتهم، وموطنهم أسيا الوسطى، أقاصي شمال فلسطين على رأي حزقيال. وبمقارنة ما جاء في كتاب حزقيال من صفات القوم، واساليبهم القتالية، وتخصصهم في السلب والنهب، مع ما جاء عنهم في كتابات الاغريق، وأبحاث المعاصرين، وقول يوسيفوس ان السيث هم قوم ماجوج، وفي معركتهم الاخيرة نهبوا ميديا وارمينيا واخذوا معهم كميات كبيرة من الغنائم والماشيه، نستنتج ان قوم ياجوج هم السارماش، وقوم ماجوج هم السيث. انتهى امرهم وانصهروا في شعوب الارض، والى الابد.

 

7) نهاية اسطورة!

ولكن كيف تلاشت تلك القوة الاسطورية الرهيبة التي ارعبت شعوب الارض، وكأنها فص ملح وداب؟ ولماذا لم يكتب عن اختفائهم أحد من المؤرخين؟

المؤرخ يكتب عن الاحداث العظيمه، أمّا الاحداث الصغيرة فلا تجد لها طريقا في كتب التاريخ.

يوسيفوس كتب عن هجوم ساحق، لا يُبقي ولا يَذر، شنه الماجوجيين على ميديا وأرمينيا، ولكنه لن يكتب عن اسرة أو أسرتين من قوم مأجوج تنزح من موطنها الى دولة مجاوره.

"حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" (الانبياء 96).

ينسلون من الحدب وليس من البوابه. ورأينا في فقرة سابقة ان النسل لا يكون الا بشكل فردي أو جماعات صغيرة، كأسرة تخرج من قبيلة مثلا.

التفسير الوحيد لسر اختفائهم، من غير ان يلفت ذلك الاختفاء أنظار المؤرخين، هو تناسلهم من موطنهم بشكل فردي وجماعات صغيرة، وعلى مدى فترة من الزمن، واندماجهم في شعوب العالم.

ورأينا في اقتباس سابق: استوطن السيث مملكة سايثيا، وهي اسيا الوسطى، من القرن الثامن قبل الميلاد الى القرن الثاني الميلادي.

المعركة التي ذكرها يوسيفوس حدثت في حدود (70) ميلادي. وكان هذا آخر تاريخ معروف عن السيث في القرن الثاني الميلادي. وهذه فترة زمنية مدتها ثلاثين الى خمسين سنة أو تزيد قليلا منذ فتح البوابة. في هذه الفترة خرج يأجوج ومأجوج من موطنهم، ومن التاريخ أيضا.

تفسير: بعد حصار استمر أكثر من أربعة قرون، سور الصين العظيم من جهة، وحائط هيركانيا من جهة ثانية، وبوابات الهند والسند من جهة أخرى، ثم جاءت بوابة ذو القرنين واغلقت عنق الزجاجة، فأصبحت حياتهم جحيم.

يقول يوسيفوس انهم أخذوا معهم أعداد غفيرة من البشر، بالاضافة الى الغنائم. هؤلاء البشر الذين أخذوهم اصبحوا عندهم عبيد وجواري. وهم قوم متحضرين جدا مقارنة بالهمج يأجوج ومأجوج. فغلبت عادات وتقاليد الحضر على عادات الهمج، فتأثر الهمج بعبيدهم وجواريهم. فمثلا الجارية تربي أطفالها على عاداتها التي اتت بها من بلدها. فكان جزء من النسل الجديد من سلالة الجواري. فبدأت العادات والتقاليد تختلط وتأخذ الطابع المدني.

بعد ذلك بدأت الاسر والعوائل "تنسل" من مجتمعاتها شيئا شيئا، وتلتحق بالمجتمعات المتحضره، لكي تعيش نفس الحياة التي كان يعيشها عبيدهم وجواريهم. وكلما نسلت اسرة من مجتمعها، تقوم اسرة أخرى بتقليدها وتتبعها. وعلى مدى ثلاثين الى خمسين سنة، أو أكثر قليلا، لم تبقى منهم اعداد تذكر في الجبال، ومن بقيَ لم يكن له تأثير أو كيان يذكر. فمنهم من ذهب الى الهند، والى فارس، والصين، وروسيا، وتركيا، وأوربا الشرقية، وأفغانستان، والشرق الاوسط، وغيرها من البلدان. وبعد ان فتحت البوابة، وبدأ يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، نعود للآية من سورة الكهف فنجدها تقول: "وتركنا بعضهم يومئذ [يوم فتحت وبداوا ينسلون] يموج في بعض [يدخل بعضهم في الاخر] ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا"، وسيبقون مندمجين مع بقية شعوب العالم الى ان ينفخ في الصور وتقوم الساعة.

لم يكن فتح البوابة سببا مباشرا في تفريغ يأجوج ومأجوج من موطنهم. كما ان هؤلاء القوم لم يقوموا بهجرة جماعية، وإنما هجرة فردية، "ينسلون"، على مستوى الفرد أو الاسرة أو العائلة. فذابوا وانصهروا في المجتمعات المتحضرة التي هاجروا اليها واستقروا فيها. ولهذا السبب لم يعثر العالم على اثر لهم، ولم يكتب مؤرخ عن سر اختفائهم.

وطبعا ما نقوله هنا هو مجرد تحليل على ضوء المعلومات الشحيحة الموجودة ولا نعلم بحقيقة ما حدث. ولكن المعلومة الوحيدة الصحيحة التي تفسر سر اختفائهم، ومن غير ان يلفت ذلك الاختفاء أنظار المؤرخين، هي تناسلهم من مجتمعاتهم بأعداد قليله، على مستوى الاسرة والعائله.

"من كل حدب ينسلون" -- هذه الجزء من الاية فيه معلومة أخرى أيضا! وهي ان أولئك القوم كانوا يقطنون الحدوب في أسيا الوسطى، وليس المناطق السهلة. لم يذكر أحد من المؤرخين القدماء عن المناطق التي كان يسكنها يأجوج ومأجوج (السيث والسارماش) في أسيا الوسطى. المستكشفين في العصر الحديث ركزوا في استكشاف المناطق السهلة. ووجدوا شيئا قليلا من تراثهم في تلك المناطق. ولكن القرآن يقول ان مساكنهم الحدوب وليس المناطق السهلة. فلو قام المستكشوفون بالبحث في الحدوب لوجدوا كمية أكبر من تراثهم.
 

8) موقع بوابة ذو القرنين

رأينا في فقرة سابقة ان البوابة لا تزال موجودة ولكن واقعة على الارض وتغطيها الشوائب.

لم يذكر يوسيفوس اين موقع هذه البوابة لأنها كانت من ضمن الخبر الذي دونه، ولم تكن خبرا مستقلا ليذكر عنها معلومات تفصيلية. كما ان الفرس لم يكونوا يسجلون التاريخ، ولا حتى يعرفون لماذا بنى اجدادهم حائط گورگان في هيكرانيا. فإذا كان حائط يمتد 180 كيلومتر لم يكتبوا عنه شيئ، فهل سيسجلوا معلومات عن بوابة تقع في مكان نائي بين الجبال؟

طبقا للقرآن، موقع الردم المكون من صدفين الذي بناه ذو القرنين يقع بين سدين، والسد هو الحاجز الفاصل المانع، والحاجز يمكن ان يكون طبيعي أو اصطناعي، وعادة ما يحجز ماء، ولكن يمكن ان يمنع حركة الناس أيضا. وقد طلبوا منه ان يصنع لهم سدا يقيهم شر يأجوج ومأجوج. وفي هذا الطلب مثال على سد يمنع حركة الناس. فإن كان السدين طبيعيين فيحتمل انهما جبلين.

قال يوسيفوس في خبره ان الاسكندر أغلق ممر، وفي القرآن أيضا ممر، وهذا يرجح ان السدين هما جبلين بينهما ممر.

وفي آية أخرى: "فما اسطاعوا ان يَظهروه وما استطاعوا له نقبا" --  "يَظهروه" تعني يركبوا على ظهره، يأتون من فوقه. "نقبا" تعني التنقيب من تحته أو اختراقه. «اسطاعوا» كلمة مخففة من «استطاعوا»، وفيها اشارة الى ان الاتيان من فوقه اسهل من التنقيب تحته. وعلى هذا المعنى نجد ان ارتفاع الردم لم يكن بالارتفاع الشاهق، وإلا لما حاولوا ان يظهروه.

وهنا سؤال يطرح نفسه: هل يعقل أن يأتي جيش كامل بالتسلل واحد واحد من تحت، أو واحد واحد من فوق؟

القرآن يتحدث عن محاولات، وليس عن الهدف الذي يريدون تحقيقه من هذا التسلل الفردي. فما هو الهدف إذن؟ الهدف على ما يبدو هو الوصول الى الجهة الثانية من الردم وفتحه، فتح البوابه. وما يدل على ان هذا هو الهدف المنشود، الاية من سورة الانبياء: "حتى إذا فتحت"، فتح بالكامل مرة واحدة، وليس التسلل الفردي واحد واحد.

لم يذكر القرآن إن كان يوجد حرس يحمي البوابة ويمنع المهاجمين من التسلل من فوقها أو من تحتها. ولكن كل شيئ وارد، وعندما نجد البوابة ان شاء الله سوف تتضح الصورة بشكل أفضل.

منظر طبيعي لـ ممر بين جبلين

وبناءا على ما يمكن تصوره وتخيله، فإنه يحتمل ان يكون موقع البوابة في مكان ما قريب من بحر قزوين، ولكنها ليست بوابة قزوين التجارية المذكورة في بعض كتب التاريخ. هذا المكان يحتمل انه في تركمانستان أو أذربيجان، لأنهما يقعان على الجانبين من بحر قزوين، وربما في ايران.

ويحتمل ان يكون المرر مثل المنظر الطبيعي الظاهر في الصورة.

البحث عن هذه البوابة والعثور عليها شيئ مهم جدا، وذلك لمحو الخرافات والاساطير التي تسيطر على عقول الغالبية العظمى من المسلمين الذين ينتظرون جوج وماجوج يوم القيامه! عندها سنقول تعالوا نحتكم للامر الواقع. أنتم تقولون سد عظيم، ولكنكم لم تجدوه. ونحن قلنا بوابة، فوجدناها تحت الارض!


 امبراطورية الاسكندر -- ولاية هيركانيا معلمة بالاحمر، حيث بنى فيها الاسكندر بوابة حديد مطلية بالقطر

 

9) التوحيد عند الاغريق

"وإن من أمّة إلا خلا فيها نذير" -- الديانات بشكل عام لا يكتب عنها المؤرخون. ما يشغل المؤرخين في المقام الاول هي الحروب والملوك والسلاطين. أمّا المعتقدات إذا لم تحقق النجاح ويتناقلها اتباعها جيل بعد جيل، فلن يعرف المتأخرون عنها شيئ. فمثلا معتقدات قدماء المصريين لم يكن ليعرف الناس عنها الكثير لو لم تحصل اكتشافات. وديانات الاغريق الوثنية لو لم يكن لها تماثيل وأصنام ورسوم، لما عرف عنها الناس شيئ. ودعاة التوحيد كما هو معروف عنهم ينبذون تصوير الآلهة بأي شكل من الاشكال. فكيف سنعرف عنهم إذا لم نجد لهم أثر؟

الباحث في التراث الاغريقي يجد ان الاغريق كانوا يؤمنون بالتوحيد والاله الواحد في وقت ما من التاريخ. والتالي مثالا وليس حصرا.


زينوفينز - رسم تخيلي يعود للقرن 17

جاء في كتابات إغريقية قليلة أخبار عن شخص اسمه زينوفينز (Xenophanes)، قيل انه فيلسوف حكيم. هذا الحكيم عاش في الفترة ما بين (570 الى 475) قبل الميلاد، توفي عن عمر يناهز الـ (95) سنة. كانت الفكرة الرئيسية لهذا الحكيم هو ان الله واحد أحد، غير مخلوق، لا يتغير، ليس كمثله شيئ، وموجود في جميع انحاء الكون. قضى (67) سنة من عمره يطوف على المدن الاغريقية ينتقد دياناتهم الوثنية، وينشر تصوراته عن الاله الواحد. كما كان يحثهم على فعل الخير وينهاهم عن المنكر. كانت له قصائد فيها حكم ومواعظ لم يبقى منها الكثير. وما هو موجود ليس سوى جزء يسير جدا جاء في كتابات الاخرين عنه. ومن أقوله: "إله واحد أعظم من جميع الآلهة وجميع الناس، لا يشبه البشر لا في صورته ولا تفكيره * يظن الناس ان آلهتهم على أشكالهم، يتزوجون وينجبون، ولهم صوت وجسم مثلهم * يقول الاثيوبيين ان آلهتهم سود وانفهم افطس، ويقول الثيروشيين [قبائل أوربية] ان آلهتهم عيونها زرقاء وشعرها أحمر، ولو كان للبقر أو الخيول أو الاسود أيدي يرسمون بها، لرسموا آلهتهم كما يفعل البشر، البقر سيرسموا إلههم بقرة، والخيول سترسم آلهتها حصان * الإله الحقيقي أبعد ممّا يمكن أن يتصوره عقل بشر * كل شيئ على الارض جاء من الارض، ونهايته ستكون الارض * نحن جميعا خُلقنا من التراب والماء * لا يكشف الله كل شيئ للبشر من البداية، ولكن في الوقت المناسب، ومن خلال البحث سوف تتحسن اكتشافاتهم

"One god, greatest among gods and men, not at all like mortals in body or mind... but humans suppose that gods have been born and wear clothes like theirs and have voice and body. Ethiopians say that their gods are snub-nosed and black, and Thracians that theirs have blue eyes and red hair. But if <horses> or cows or lions had hands to draw with their hands and produce works of art as men do, horses would draw the figures of gods like horses and cows like cows, and they would make their bodies just as the form which they each have themselves. Everything born and growing is earth and water. For all things are from earth and into earth all things come to their end. We all are generated from earth and water. Gods of course did not reveal everything to mortals from the beginning, but in time by searching they improve their discoveries.

الروابط التالية فيها نبذة عن حياته وشيئا من أقواله:
http://www.philosophy.gr/...
http://en.wikipedia.org/...

هذا الرجل قضى (67) سنة من عمره يطوف على المدن الاغريقية واجزاء من إيطاليا ينشر مفاهيمه عن الاله الذي عرفه.

السؤال الان، هل هو اتى بهذا العلم من نفسه، أم انه كان موجدا قبله، فأتى هو ليحي المفاهيم التي آمن بها؟

نجد على الرابط الاول في الاعلى انه يتهم شخصين اسمهما هوميروس وهسيود بأنهما أفسدا معتقدات الاغريق، فيقول: "وقد عزا هوميروس وهسيود إلى الآلهة كل ما هو مذموم ومشين بين البشر من سرقة وزنا وخداع."

"Homer and Hesiod have attributed to the gods everything that is blameworthy and disgraceful among humans theft and adultery and mutual trickery."

كتب عنهما المؤرخ هيرودوت فقال: "هوميروس وهسيود كانوا أول من ألف مجموعة من الآلهة، وإعطاها ألقابا و أوصاف وأشكال، وتخصصات ووظائف. عاش هوميروس وهسيود اربع مئة سنة قبل وقتي، على ما اعتقد."

"For Homer and Hesiod were the first to compose Theogony, and give the gods their epithets, to allot them their several offices and occupations, and describe their forms; and they lived but four hundred years before my time, as I believe."
http://classics.mit.edu/...

ما نراه هنا هو ان الاغريق كانوا يعتقدون بإله واحد الى القرن الثامن قبل الميلاد، فجاء هوميروس وهسيود وجعلوا الاله الواحد مجموعة، وجعلوا لها صور وتماثيل ووظائف.

يقول هيرودوت: "ذهب المصريون للتأكيد، بدأوا أولا بإستخدام اسماء للإثنى عشر آلهة، التي تبناها الاغريق منهم، وأنشأوا أولا المذابح، والصور، والمعابد للآلهة."

"The Egyptians, they went on to affirm, first brought into use the names of the twelve gods, which the Greeks adopted from them; and first erected altars, images, and temples to the gods;"
http://classics.mit.edu/...

يبدو ان هوميروس وهسيود تأثروا بالديانة المصرية، فوجدوا لدى المصريين اثنى عشر آلهة، بالصور والاشكال والوظائف، ثم قاموا بتحريف دينهم وقلدوا المصريين. وهكذا تحرفت ديانة التوحيد عند الاغريق.

وإن قيل على أي دين كان الاسكندر، نقول كان حنيفا مسلما موحدا بالله على ما تعلمه من فلسفة ارسطو وعرفه الموحدين الاغريق على مذهب زينوفينز ومن سبقه. وكان ارسطو يعرف تعاليم زينوفينز وما كان يدعو اليه:

  "Aristotle remarks that, for Xenophanes the one God cannot have been born"
"يقول أرسطو، لولا زنيوفينز لما وُلدت فكرة الاله الواحد"
 http://www.mycrandall.ca/...

في الاقتباس اعلاه نرى ان ارسطو يرد الفضل لزينوفينز في ايجاد أو بلورة فكرة الاله الواحد، ولولا زينوفينز لما وضع ارسطو فلسفته المبنية على الاله الواحد الذي لا يمكن ان يتخيله بشر (ليس كمثله شيئ) ، وبما ان الاسكندر أخذ تعليمه من ارسطو، فمن المنطق القول ان عقيدة الاسكندر هي العقيدة التي تبناها ارسطو من زينوفينز.

 

10) الخــــــــــــــــــــاتـمة

هل كل ما ذكره القرآن عن ذو القرنين هو اجابة عن السؤال عن ذو القرنين؟

أولا نحن لا نعرف ماذا كان السؤال بالضبط، وفي نفس الوقت لا يجب ان نستهبل القوم ونفترض انهم سألوا سؤال داخل في المعلومات العامه، مثل: من هو الاسكندر المقدوني الظاهر على العملة المعدنية بقرون الكبش؟!

النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) دخل في التجارة وتعامل بالعملات والاحتمال كبير انه مرت عليه هذه العمله.

التفسير المنطقي هو ان ما ذكرته الآيات لم يكن كله داخل من ضمن السؤال. جزء من الايات كان فيه اجابة على السؤال. وجزء آخر لم يكن بمقدورهم التحقق من صحته. وفي حالة عدم التحقق من صحة المعلومة، فلا يمكن نفيها.

الاحتمال الوارد هو انهم سألوه سؤالا كان من الصعب الاجابة عليه. فكان الجواب هو ذو القرنين. وهي اجابة كافية لمن ينتظر هذه الاجابة فقط. وطبعا هم يعرفون ذو القرنين من العملة المعدنية ومن المعلومات التي اخذوها ممن اعطاهم السؤال.

فمثلا لو سألت عن شخص رسام ثم اصبح حاكما على ألمانيا. فأتاك الجواب هو هتلر. فإن كنت تنتظر هذه الاجابة فقط، فهي تكفي.

ولكن اذا اتاك الجواب كالتالي: سألتني عن هتلر -- هو كان كذا، وكذا، وكذا، الخ.

الان كل ما جاء بعد الاسم لا علاقة لك به. وعليه نفترض ان السؤال كان على هذا النحو.

ومثال على هذا ما جاء في عدد أفراد اهل الكهف. يبدو من الايات انهم سألوا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن عددهم فقط، ولكن القرآن أعطانا قصه. وعندما جاء الى العدد، وضع ثلاثة اجابات: "سيقولون ثلاثه... خمسه... سبعه" والسبب يبدو انهم كانت لديهم ثلاثة اجابات، ولم يكونوا متأكدين من العدد الصحيح بالضبط. فإذا اتاهم النبي محمد بجواب واحد فسيغالطوه. فأتاهم بالاحتمالات الموجودة لديهم، وهي صيغة المستقبل: "سيقولون..." وليس بالضرورة ان يكون احد الارقام صحيحه.

تبعنا خطى ذو القرنين فأوصلتنا الى الاماكن التي رأينا، ووجدناها تعكس الآيات القرآنية كالمرآه، بالمعنى الحرفي بالضبط، وبنفس الترتيب الذي ذكره القرآن: مغرب الشمس، العين الحمئة، ومطلع الشمس، وأخيرا بين السدين.. ومن الملاحظ ان القرآن استخدم حرف الترتيب "ثم" في الفصل بين المواقع: "ثم اتبع سببا"، بما يعني استحالة وقوع الحدث الثاني قبل الاول. استدلينا على مغرب الشمس ومطلع الشمس من التراث المصري والمؤرخين الاغريق، واستدلينا على يأجوج ومأجوج وبوابة الاسكندر بشهادة المؤرخ اليهودي يوسيفوس. وبهذا القدر نأتي الى نهاية الموضوع.

 


 الرجل الازرق هو إله الوحل ويُسمى نو (Nu)، الرجل الواقف بين المربعين رجل ميت، ويشير بيديه للدلالة على الدخول من الحين الحمئة  الاولى والخروج من العين الحمئة الثانية.

 


 الاله رع يقدم العنغ، رمز الحياة الابدية، للاسكندر المقدوني بعد موته، والاله أمون يقف خلف رع، في الموقع الذي يخرج فيه الموتى من  تحت الارض، من العين الحمئة، من زهرة لوتس --  كافة الرسوم عن الاسكندر في العابد المصرية رسمها المصريون بعد موته

 

 


 

End of Body

 

 

 



الصفحة الرئيسية